وتأمل قول الله تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} (الرعد: 7) تجد أنه قصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - على صفة الإنذار، لا يتعداها إلى الإتيان بالآيات، فهو قصر إفراد؛ إذ يعتقد الكافرون أنه - عليه الصلاة والسلام - يجمع بين صفتي الإنذار والإتيان، وقد ذكر عبد القاهر"إنما"لا تستعمل إلا في قصر القلب، والصواب - ما ذكرنا - وهي أنها تستعمل في كل أنواع القصر - كما رأينا وكما هو عليه جمهور البلاغيين.
{جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ ... (97) }
ومنها: مدح المتبوع والدلالة على عظم شأنه كما في قول الله تعالى: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ} (المائدة: 97) فالبيت الحرام عطف بيان للكعبة قصد به المدح والدلالة على عظم شأنها لا الإيضاح؛ لأن الكعبة أظهر من نار على علم، فليست في حاجة إلى إيضاح وبيان، وكان البيت الحرام مدحًا وتعظيمًا؛ لأن فيه دلالةً على أن هذا البيت موصوف بالحرمة والاحترام والمنع من كل امتهان وانتهاك.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ (101) }
فليس المراد بالنهي عن السؤال في الآية الكريمة الإلزام وطلب الكف، وإنما أريد به النصح والإرشاد، وقد جاء بصيغة النهي؛ رغبةً في الاستجابة والامتثال، ومنه قول أبي العلاء:
ولا تجلس إلى أهل الدنايا ... فإن خلائق السفهاء تعدي
فهو ينصح مخاطبه ويرشده إلى الابتعاد عن السفهاء، وأهل الدنايا. قد عبر بصيغة النهي؛ لبيان رغبته وحرصه على أن يمتثل المخاطب ويستجيب لنصحه وإرشاده.
ويأتي النهي كذلك للحث على الفعل: كما في قول الخنساء - وقد مضى -:
أعيني جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندى؟
فهي تحث عينيها على البكاء، وأن تجودَا بالدمع وألا تبخلَا به؛ فإنهما تبكيان صخر الندى. فالتعبير بالأمر والنهي في هذا المقام يظهر شدة حزنها، ورغبتها القوية في أن يتحقق ما تريده، وتفيض عيناها بالبكاء؛ وفاءً لحق هذا المقام.
ويأتي النهي كذلك ليفيد معنى التمني: كما في قول الشاعر:
يا ليل طُل يا نوم زل ... يا صبح قف لا تطلع
وهو يتمنى أن يمتد الليل ويطول وألا يطلع النهار؛ وذلك حتى يطول اجتماعه بحبيبته والتحدث إليها.