وذلك أن المحارِبَ مجاهِرٌ بفعلهِ، فإذا تابَ، فالظاهِرُ من حاله أنه لم يَتُبْ تَقِيَّةً، وإنما رجعَ عمَّا كان عليه، والسارِق مُسْتَخفٍ بفعلهِ، فإذا تابَ حُمِلَ على التَّقِيَّةِ، ولما في قَبولِ توبةِ المُحارِبِ من الصَّلاحِ وتركِ الفتنة، بخلافِ السارقِ، ولهذا لا تقبلُ توبتُه بعدَ القدرة عليه.
* إذا تمَّ هذا، فقد روى الشيخان عن أَنسِ بنِ مالِكٍ - رضيَ اللهُ تعالى عنه - قال: قدمَ ناسٌ من عُكْلٍ او عُرَيْنَةَ، فاجْتَوَوُا المدينةَ، فأمرَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لهمْ بلِقاحٍ، وأَمَرَهُم أن يشربوا من أبوالِها وألبانِها، فلما صَحُّوا، قَتَلوا راعِيَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، واستاقوا النَّعَمَ، فجاءَ الخبرُ أولَ النَّهارِ، فبعثَ في آثارِهم، فلما ارتفعَ النَّهارُ، جيءَ بهم، فَأَمر بهم، فَقُطِّعتْ أيديهم وأرجلُهم، وسُمِلَتْ أَعْيُنُهُمْ، وتُرِكوا في الحَرَّةِ يَسْتَسقونَ، فلا يُسْقَوْنَ.
وقدِ اختلفَ أهلُ العلمِ في الجَمْعِ بين الحديثِ والآية.
فقال بعضُهم: إنما سَمَلَ أَعْيُنَ أولئكَ؛ لأنهم سَمَلُوا أعينَ الراعي، فاقتصَّ منهم بمثلِ ما فعلوا، وهذا ما ذكرهُ مُسْلِمٌ في"صحيحه".
ورويَ عن الزُّهْرِيِّ أيضاً في قِصَّةِ العُرَنِيِّيْنَ أنه ذُكِرَ أنهم قَتلوا يَساراً مولى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم مَثَّلوا به.
وقال الليثُ وابنُ سيرين: الحديثُ منسوخ بالآية.
وقال ابنُ شِهابٍ أيضاً بعدَ أن ذكرَ قِصَّتَهم: وذكروا - واللهُ أعلمُ - أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نُهِىَ بعدَ ذلكَ عنِ المُثْلَةِ بالآية التي في سورة المائدة: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المائدة: 33] الآية، والتي بعدها، ونهى عن المُثْلَةِ وقال:"لا تُمَثِّلُوا بشيءٍ".
(من أحكام الحدود)
(السرقة)
111 - (8) قوله عَزَّ وجَلَّ: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: 38] .
أوجبَ الله سبحانه علينا في هذهِ الآية قَطْعَ يَدِ السارقِ والسارقةِ، وأطلقَ ذلكَ في جَميع الأحوالِ والصِّفاتِ.
وقد اتفقَ أهلُ العلمِ على وجوبِ قطعِهما، واتفقوا على تَخْصيصِ هذا الإطلاقِ والعُمومِ ببعضِ الأحوالِ، فاشترطوا أشياءَ تُعارِضُ هذا العمومَ: