فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 122245 من 466147

وذهب الشافعيُّ إلى تحديده بالنِّصاب؛ قياساً على السرقة.

وليسَ هذا القياسُ بِمَرْضِيٍّ لفسادِ اعتبارِه، فإنَّ أمرَ المُحارَبَةِ أَغْلَظُ من السرقةِ، فلا يقاسُ المُغَلَّظُ على المُخَفَّفِ، كيفَ والحدودُ لا قياسِ فيها؟ ولأنه لم يُنقلْ في المالِ تحديدٌ من السُّنَةِ كما نُقِلَ في السرقة، ولا يَخْفى مثلُ هذا على أبي عبدِ الله، لكنَّهُ لما تردَّدَ عندَهُ القَتْلُ والقَطْعُ بينَ القِصاص والحَدِّ، جعلَهُ قِصاصاً في أحد القَوْلَيْن، ولم يجعلْه حَدًّا؛ لاعتبارِ الشارعِ بِدَرْءِ الحُدودِ وإسقاطِها، ولأجلِ هذا المدرَكِ اعتبرَ النِّصابَ احْتِيَاطاً لحدودِ الله، والله أعلم.

القسم الثالث: في التوبةِ من هذهِ الجنايةِ.

وقد قالَ بقبولِ توبةِ المُحارِبِ قبلَ القُدْرَةِ عليهِ كافَّةُ أهلِ العِلْم.

ثم اختلفوا في الذي تُسْقِطُهُ التوبةُ.

فقال الليثُ: يسقطُ بها حقوقُ اللهِ تَعالى، وحقوقُ الآدَمِيِّينَ من مالٍ ودمٍ، أما حقوقُ اللهِ تَعالى، فللآية، وأما حقوقُ الآدميين، فلِما رُويَ أن عليَّ بنْ أبي طالبٍ - كرم اللهُ وجهَهُ في الجَنَّةِ - قبلَ توبةَ حارثةَ بنِ بَدْرِ التَّميميِّ، وأَمَّنَهُ، وكتبَ له كِتاباً.

وقال مالِكٌ في روايةٍ نَحْوَه، إلا أنه يُؤْخَذُ في المالِ بما وجد عينهُ في يده، ولا تتبع ذِمَّتَهُ؛ لأن إقرارَهُ في يده إقرارٌ على المُنْكَرِ، وكذا يؤخذُ بالدمِ إذا قام وليُّ المقتولِ بطلب دمه، وأما إذا لم يَطْلُبْهُ أحدٌ، فلا يؤخَذُ به.

وقال الشافعيُّ، ومالِكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وأحمدُ: تسقطُ عنهُ حقوقُ اللهِ تعالى فقط، وأما حقوقُ الآدميين، فلا تسقطُ، وبه قالَ الحنفيةُ.

وهو أصحُّ الأقوالِ؛ لأنَّ الله - سبحانه وتعالى - لم يذكرْ إلا جزاءه، وحَظَّهُ من العقوبةِ فقط، ثم عقبه بذكرِ التوبةِ، وأما حقوقُ الآدميينَ فقد تظاهَرَتِ النُّصوصُ على أنها لا تَسْقُطُ إلا بإسقاطِ صاحبها، وليسَ في الآيةِ تَعَرُّضٌ لذكِرها.

* وأطلقَ اللهُ سبحانَه التوبَةَ هنا، ولم يقيدْها كما قَيَّدَها في آيةِ السَّرِقَةِ بالإصلاح، وهي على إطلاقِها، ولا يجوز أن تُقَيَّدَ بآيةِ السرقةِ؛ لاختلافِ السببين، ولوضوحِ الفرق بين الجِنايَتين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت