وقيل: يُطلبون بالحَدِّ أبداً، فيهربون، وأما أنه يُنْفى بعدَ أن يُقْدَر عليه، فلا، قاله ابنُ عباسٍ، وأَنَسٌ، والزُّهْرِيّ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ.
وقال قومٌ: ينفى إلى بلدِ الشرك، قاله أنسٌ والزهريُّ:
هكذا نُقِلَت هذه الأقاويلُ.
ويظهر لي عدمُ الاختلافِ فيها، وأنها راجعةٌ إلى الاختلاف في التخيير والتنويع.
فمن قال: يُسْجَنُ إذا أخاف السبيلَ، ولم يأخذْ مالاً ولا نفساً، وهو أبو حنيفة والشافعي، أرادَ إذا قُدِرَ عليهِ.
ومن اختارَ حَبْسَهُ في بلدٍ آخرَ، فإنما اختارَه لكونه أبلغَ في الزَّجْر والإيحاش، وليقطع عليه اسمُ النفي، وليس هو في الحقيقِة مُخالفاً للأولِ؛ لأنه ما عُوقِبَ إلا بالحَبْسِ حَتّى تظهرَ توبتُه.
ومن قال: يطلَبُ بالحَدِّ أبداً، فمراده: إذا وجَب عليهمُ الحَدُّ، ولم يُقْدَرْ عليهم، فإنَّ الإمَام يطلُبُهم أبداً لإقامةِ فرضِ الله سبحانه الذي بهِ صلاحُ البلادِ والعِباد، وهو في الحقيقةِ طلبُ الجزاءِ, لا حقيقةُ الجزاءِ.
ومن قال: ينفى إلى بلدِ الشِّرْكِ، فمراده: إذا وجبَ عليه الحَدُّ، ولم يُقْدَرْ عليه، فلا يجوزُ للإمام أن يُقِرَّهُ في البلاد التي في طاعَتِه - وهي بلادُ الإسلامِ - من غيرِ إقامةِ حَدٍّ، فيجبُ عليهَ طلبُهُ، ولو تعزَّزَ في الجبالِ، واحتاجَ تجهيزَ جيوشٍ كثيرةٍ، فإما أن يُظفر به في أطرافِ بلادِ الإسلامِ، أو لا يُقْدَرَ عليهِ لخروجهِ عن مَحَلِّ وِلايةِ الإمامِ التي هيَ دارُ الإسلام، وإذا خرج منها، دخلَ دارَ الشركِ، وقد رحمه اللهُ سبحانه، وجعلَ له مَخْلَصاً من هذه العُقوبةِ بالتوبةِ، ومن دخُولِ دارِ الشرك، ولا يظنّ به أنه يأمرُ بإدخالِ
مسلمٍ داراً أوجبَ اللهُ على المسلم الخُروجَ منها، ولأنه ربَّما فتنَهُ المشركون عن دينه، وأوقعناه في مَفْسَدَةٍ أكبرَ من الأولى.
* إذا علمتَ هذا، ففي الآيةِ إشارةٌ إلى أن هذا الجزاءَ حَدٌّ خالِصٌ للهِ تعالى عقوبةً لهم لأجلِ محاربةِ الله تعالى، والفساد في أرضه، وهو متفق عليه.
ويؤخَذُ منه أن المحارِبَ إذا قَتَل، وعفا عنه وليُّ الدم أنه لا يفيده العفو، وأنه إذا قَتَلَ مَنْ ليسَ كُفُؤاً له، أنه يُقْتلُ، وهو كذلك، وللشافعيِّ قولٌ ضعيفٌ أنه يفيدُهُ العفوُ، وأنه لا يُقْتلُ بغيرِ المُكافِئ.
* ويؤخذ منه أيضاً أنه يُقْطَعُ إذا أخذَ المالَ، وإن كانَ دونَ نِصابِ السرقةِ، وبهذا قال مالِكٌ.