منها: ما إذا سرقَ ما لَهُ فيهِ شبهةٌ؛ كالغانِم إذا سرقَ من الغنيمةِ قبل القسمةِ، وكالأبِ إذا سرقَ مالَ ابنِه؛ لما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"ادرؤوا الحُدودَ بالشُّبُهاتِ".
واختلفوا في تفاصيلِ ذلك في فروعٍ كثيرةٍ يطولُ بنا ذكرُها، وليس هو من غرضنا.
ومنها: اشتراطُ النِّصابِ.
فلم يعتبرْهُ أهلُ الظاهِرِ، وأوجَبوا القَطْعَ في القليلِ والكَثيرِ.
وبه قالَ الحسنُ البَصْرِيُّ، وابنُ بنتِ الشافعيِّ، وطائفةٌ من المتكلِّمين.
واستدلوا بظاهرِ الآية، وربما احتجُّوا بما روى البخاريُّ ومسلمٌ عن أبي هريرةَ - رضي الله تعالى عنه - أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:"لعنَ اللهُ السارقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يدُه، ويسرقُ الحَبْلَ، فتقطعُ يدُه".
وقال سائرُ أهلِ العلمِ بِاشتراطِ النِّصابِ، واستدلُوا بما رُويَ عن عائِشةَ - رضيَ اللهُ تعالى عنها -: أنها قالت: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لا يقطعُ يدَ السارقِ إلا في رُبع دينارٍ فصاعِداً.
وفي رواية: لا تقطَعُ اليدُ إلا في رُبع دينارٍ فما فوقهِ.
وفي رواية: لم تقطَعْ يدُ السارقِ في عهدِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في أقلَّ منْ ثَمَنِ المِجَنِّ.
وقالت أيضاً: سِمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"تقطع اليدُ في ربعِ دينارٍ فصاعداً".
وللظاهرية أن يقولوا: هذه الرواياتُ، وإن قويَ ظهورُها، فالحديثُ الأولُ الموافقُ لظاهرِ القرآنِ أقوى منها، فإنه يَحْتَمِلُ أن تكونَ قالتْ ذلكَ بالاجتهادِ في بعضِها، وبعضُها ليس فيه أكثرُ من دَلالةِ المفهومِ، وذلك لا يُقاوِمُ المَنْطوقَ.
ولكنه يدلُّ للجماعةِ ما رُوي عن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيهِ، عَنْ جَدِّهِ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"لا تقطع يدُ السارقِ في دونِ ثمنِ المِجَنِّ"قال: وكان ثمنُ المِجَنِّ على عهدِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - عشرةَ دراهِمَ، وروي في حديثِ ابنِ عمرَ - رضي الله تعالى عنه - أن ثمنَ المِجَنِّ ثلاثةُ دراهمَ، فإن صَحَّ هذا، أو حديثٌ مثلُه، ففيهِ التصريحُ بالدَّلالَةِ على المَقْصودِ بالنُّطقِ والمَفهومِ، فحينئذ ينقطعُ نزاعُهم، ولا تبقى لهم حُجَّةٌ.