وهذا أيضًا سَبَبُ اختلافِهم فيما نزلَ من اللِّحْيَةِ عن منابِتِها.
فأوجبَ مالكٌ غَسْلَهُ، ولم يوجِبْه أبو حنيفةَ.
واختلفَ قولُ الشافعيِّ في ذلك.
* وأما اختلافهُم في اليدِ، ففي موضِعَينِ:
أحدُهما: في الحكم.
والثاني: في كيفيةِ الاستدِلالِ.
أما الحكمُ:
فقال جمهورُ أهلِ العلم: يجبُ إدخالُ المِرْفَقَيْنِ في الغَسْلِ.
وقال زُفَرُ، وأبو بكرِ بنُ داودَ، ومالكٌ في راويةِ أشهبَ: لا يجبُ.
وأما الاستِدْلالُ:
فإنَّ زُفَرَ ومُوافقيهِ أخذوا بظاهِرِ المعنى المشهورِ الموضوعِ لـ (إلى) ، وهو الغايةُ.
وأما الجُمهورُ، فجعلوها بمعنى (مع) ، وذلك شائعٌ في اللسانِ، جائزٌ عند كافَّةِ الكوفيينَ وبعضِ البَصْريِّين، قال امْرُؤ القيسِ: [البحر الطويل]
لَهُ كفَلٌ كالدِّعْصِ لَبَّدَهُ النَّدَى ... إلى حاركٍ مثلِ الغَبيطِ المُذَأَبِ
واستدلَّ الشافعيةُ، أو بعضُهم، بما روى جابرٌ - رضيَ اللهُ تَعالى عنهُ -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا توضّأَ، أدارَ الماءَ على مِرْفَقَيه، وقالوا: هذا بيان لِما وردَ في الآية مُجْمَلًا، وأفعالُه - صلى الله عليه وسلم - تُحْمَلُ على الوُجوبِ في بَيانِ المُجْمَلِ.
وفي هذا ضَعْفٌ، فإن لفظَ الآيةِ ليسَ بِمُجْمَلٍ، بل هو في معنى الغايةِ أظهرُ من المَعِيّةِ؛ إذ هو المعنى الموضوعُ له، ولا تستعملُ في المعيةِ إلا تَجَوُّزًا.
وبعضُ أهلِ البَصْرَةِ مَنَعَهُ.
وحاولَ بعضُهم دلالَتَها مع بقائِها على أصلِ وَضْعِها، فقال: (إلى) هاهنا للإخراج، لا للإدخال؛ لأنَّ اسمَ اليدِ يُطْلَقُ على العُضْوِ إلى المَنْكِبِ، فلو لم تردْ هذه الغايةُ، لوجبَ غَسْل اليدِ إلى المَنْكِبِ، فلما دخلتْ (إلى) ، أخرجَتْ عن الغَسْلِ ما زادَ على المِرْفقَيْنِ، فانتهى الإخْراجُ إلى المِرْفقَيْنِ، فكأنه قالَ: واغْسِلُوا أيديَكُمْ، واتركوا من المَناكِبَ إلى المرافقِ.
وفي هذا بعدٌ ظاهرٌ؛ لما فيه من إيصالِ الغايةِ بمعنى غيرِ مذكورِ، وفصلِها عن مَعْنًى مذكورٍ مقصودٍ، واحتمالُ مجاز الاستِعارةِ أهونُ من ارتكابِ هذا المَجازِ البعيد.
ثم قال بعضُهم: وإن سَلَّمْنا أن (إلى) هنا معناها الغايةُ، فالمُغَيَّا يدخلُ في الغايةِ إذا كانت من جنِسه، والمِرْفَقُ من جنسِ اليدِ، ولا يدخلُ إن كانَ من غيرِ جنسه؛ كقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] .