فإن قيل: فقد روي عن ابنِ عباس: أن هذهِ الآيةَ نزلَتْ لمَّا هَمَّ المُسلمون أن يُغيروا على أهل اليمامة حين أَتوا البيتَ الحرام، ومعهم
الحُطَمُ عندما سمعوا تلبيتهم، والمسلمون بالحديبية، وهذا يعارض قولَه تعالى: {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} ، وقولَه تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] .
فالجوابُ أنه لا تعارضَ بين الآياتِ، فإن الحطم إنما نَهَبَ سَرْحَ المدينة، ولم يحل مقلدَهُم، ولا صَدَّهم عن المسجد الحرام، ولا أحلَّ شعائَر الله تعالى التي تقرَّب بها، ولا هتكَ لهم شهرًا حرامًا، فلو صَدُّوه لكانوا قد تَعَدَّوا، وأحلُّوا شعيرة اللهِ والشهرَ الحرام أو الهدي المُقَلَّد، وأتى البيت الحرامَ، فلم يصدَّ المسلمين إلا كفارُ قريشٍ، فنهاهم الله تعالى فقال: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا} [المائدة: 2] .
فما نهاهم إلا عن الاعتداء، لا عن الاقتصاص، والله أعلم.
(من أحكام الصيد والذبائح)
106 - (3) قوله عزَّ وجَلَّ: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 3] .
أقول: فصَّل لنا ربُّنا - جَلَّ جلالُه - في هذه الآيةِ ما حَرَّمه علينا، وها أنا أذكره حُكْمًا حُكْمًا.
* أما الميتةُ، فإنها حَرامٌ بإجماعِ المسلمين؛ لهذه الآية، ولغيرِها من الآيات.
* واتفق أهلُ العلم على أن هذا اللفظَ ليسَ على عمومه، واختلفوا في المُخَصِّصِ له.
فذهبَ أبو حنيفةَ إلى تخصيصهِ بكل ما لاَ دمَ لهُ، وعمَّمه في سائِر المَيْتاتِ، بريَّةً كانَتِ الميتةُ أو بحريةً.