واستدلَّ بأمر النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِمَقْلِ الذُّبابِ إذا وقعَ في الطعامِ، ورأى أنَّ الدمَ علَّةُ التحريم، يوجدُ باحتباسِه، ويعدَمُ بإهراقه.
وزاد قومٌ آخرون على ما استثناه ميتةَ البحر؛ لقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} [المائدة: 96] .
وإليه ذهبَ مالكٌ.
وذهب الشافعيُّ إلى استثناءِ ميتةِ البحر خاصَّةً، فجمعَ بين الآياتِ والآثارِ.
أما الآياتُ فخصَّ بخُصوصِ آيةِ البحرِ عمومَ قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] .
واستدلَّ على تخصيصها لآية التحريم دونَ أن تكونَ آيةُ الميتةِ مخصِّصَةَ لصيدِ البحر بقوله - صلى الله عليه وسلم -:"أحِلَّتْ لنا مَيْتَتانِ ودَمانِ"وبقوله - صلى الله عليه وسلم - في البحر:
"هو الطَّهورُ ماؤهُ الحِلُّ مَيْتتهُ"، وبما رواه جابر - رضي الله تعالى عنه -: أنهم أكلوا من الحوتِ الذي رماهُ البحرُ أيامًا، وتزودوا منه، وأنهم أخبروا بذلك رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فاستحسنَ فِعْلَهُم، وسألهم:"هل بقيَ منه شيء؟".
وضعف الشافعيُّ الاستدلالَ بأن ظاهرَ الكتابِ يقتضي تنويعَ المُحَرَّمِ إلى ميتةٍ ودمٍ، فالميتةُ تَحِلُّ بالذكاةِ، بخلافِ الدمِ، فلا يكون أحدُهما عِلَّةً لتحريم الآخر، ورأى أن العلَّة للمَقْلِ هو ما فَصَّلَتْه الإشارةُ النبويةُ من الداءِ بقوله:"فإنَّ في أَحَدِ جَناحَيْهِ داءً، وفي الآخَرِ دَواءً"، فجعله الشافعيُّ من بابِ العفوِ؛ لِمَشَقَّةِ الضَّرَر، وهذا من محاسنِ نظرهِ - رحمة الله عليه، وعليهم أجمعين - .
فإن قال قائلٌ: فقد أفتى الشافعيُّ بتحليلِ جنينِ الذبيحةِ إذا خرجَ ميتًا.
قلنا: ألحقهُ الشارعُ بالمُذَكَّى حُكْمًا ولَفْظًا، فقال - صلى الله عليه وسلم -:"فإنَّ ذَكاتُه ذَكاةُ أُمِّهِ".
وبهذا القولِ قالَ مالكٌ، إلا أنه اشترطَ وجودَ ما يدلُّ على الحياةِ في الجنينِ من تمامِ الخَلْقِ وإنباتِ الشَّعرِ؛ لإشعارِ قوله - صلى الله عليه وسلم -:"فإنَّ ذَكاتَه ذَكاةُ أُمِّه"؛ فإنه يقتضي كونَه مَحَلًا للذكاة، مع ما روي أن أصحابَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يقولون: إذا أشعرَ الجنينُ، فذكاتُه ذَكاةُ أُمِّهِ.