وقد اختلف فيما يؤكل من صيد البحر، فعندنا أنه يؤكل جميع صيد البحر ما اتخذ منه وهو حي وما طفا على وجه الماء ميتًا وما قذفه البحر فمات، كان مما له شبه في البر ومما ليس به شبه، إلا أن مالكًا كره خنزير الماء من غير تحريم. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يؤكل ما مات بسبب دون ما مات بغير سبب كالطافي وما قذفه البحر فمات. وذهب قوم إلى أنه لا يؤكل منه ما طفا ويؤكل منه ما قذفه البحر فمات، وذهب الشافعي إلى الفرق بين ما له شبه وما ليس له شبه. وذهب قوم إلى أنه لا يؤكل ما عدا السمك. وروي نحوه عن أبي حنيفة وهن الشافعي. والحجة للقول الأول عموم قوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر} الآية. وإن خصصنا صيد البحر بما أخذ منه وهو حي،
فقوله تعالى: {وطعامه} يعم الميت منه. وسيأتي الخلاف في تفسيره. ويؤكل عندنا ما صداه المجوسي وغيره من البحر؛ لأنه ميتة لا يحتاج إلى ذكاة. ول يؤكل عند من يرى أنه يحتاج إلى ذكاة، وحجتنا عموم الآية. ولم يحص صيد مجوسي من غيره. واختلف في معنى قوله تعالى: {وطعامه متاعًا لكم} ، فقال أبو بكر وعمر وغيرهما رضي الله تعالى عنهم: هو ما قذف به وما طفا عليه؛ لأن ذلك طعام لا صيد. وسأل رجل ابن عمر عن الحيتان طرحها فنهاه عنها، ثم قرأ المصحف، فقال لنافع: الحقه فمره بأكلها، فإنها طعام البحر. وهذا تأويل ينظر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) )، وإلى هذا يذهب من يجيز أكل من مات بغير سبب. وقال ابن عباس وابن جبير وغيرهما: طعامه كل ما ملح منه وبقي، وتلك صنعة تدخل فترده طعامًا، وإنما الصيد القريض. وقال قوم: طعامه ملحه الذي ينعقد من مائه وسائر ما فيه
من نبات. وقال بعض أهل التأويل في قوله تعالى: {وطعامه متاعًا لكم} : أن طعامه كل ما نبت من الحبوب والثمار، لأنه إنما نبت من المطر، والمطر من البحر. واحتجوا للمطر بأنه من البحر بقوله عليه الصلاة والسلام: (( إذا نشأت بحرية ثم تشاء مت فتلك عين غديقة ) )، وبدليل قول أبي ذؤيب الهذلي:
شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج