اختلف في تأويله، فقيل: المعنى عفا الله عما سلف في جاهليتكم من قتل الصيد في الحرم ومن عاد الآن في الإسلام، فإن كان مستحلًا فينتقم الله منه في الآخرة، ويكفر في ظاهر الحكم. وإن كان عاصيًا فالنقمة منه هي إلزام الكفارة فقط. وبعصهم يرى أن النقمة أيضًا واجبة مع ذلك. والذين ذهبوا إلى هذا يرون أن المحرم كلما قتل صيدًا لزمه الجزاء لكل مرة، وهو قول فقهاء الأمصار. وقيل: المعنى أن المتعمد العالم بإحرامه يكفر أول مرة، وعفا الله عن ذنبه مع التكفير، فإن عاد الثانية فلا يحكم عليه، ويقال له: {فينتقم الله منه} كما
قال تعالى: وأما القاتل مررًا الناسي لإحرامه فإنه يكفر في كل مرة. والذين ذهبوا إلى هذا فرقوا بين الناسي وغير الناسي، فرأوا أن الناسي يكفر أبدًا، وأن العامد غير الناسي لا يكفر إلا أول مرة، وبهذا قال ابن عباس، وهو قول شريح القاضي والنخعي ومجاهد. وقيل: المعنى عفا الله عما أصابه الإنسان أولًا من الصيد بالتكفير، فلا يخشى معه عقابًا عليه. ومن عاد فينتقم الله منه أي لا تلزمه الكفارة ولا بد من عقاب الله تعالى. والذين ذهبوا إلى هذا رأوا أن على المصيب الصيد أولًا كفارة، فإن عاد بعد ذلك فلا كفارة عليه سواء كان ناسيًا أو عامدًا، وهو قول لأهل الظاهر. وقيل: هذه الآية مخصوصة في شيء بعينه، وذلك أن رجلًا أصاب صيدًا وهو محرم فتجوز له ثم عاد فأرسل الله تعالى عليه نارًا فأحرقته فذلك قوله تعالى: {ومن عاد فينتقم الله منه} .
(96) - وقوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم} :
أحل الله تعالى بهذه الآية جميع صيد البحر، وهذا التحليل
للحلال والمحرم، والصيد هنا المصيد، والبحر الماء الكثير ملحًا كان أو عذبًا، فعلى هذا صيد الحيتان حيث كان من بحر ملح أو عذب أو نهر أو بركة أو عين، جائز للمحرم والحلال؛ لأن الآية تقتضي ذلك.