وقد اختلف العلماء في تحصيل اللغو وتحصيا ما عقدت به الأيمان اختلافًا كثيرًا، فروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: لما حرموا الطيبات من المآكل حلفوا على ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأبان أن الحلف لا يحرم شيئًا، فاللغو في الآية على هذا هو تحريم ما أحل الله تعالى، والمراد بقوله تعالى: {بما عقدتم الأيمان} ، الأيمان التي حلفوا بها على ذلك التحريم، فجعل تعالى في الأيمان كفارة، ولم
يجعل في التحريم شيئًا. وروي عن عطاء -وقد سئل عن اللغو في اليمين- فقال: قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( هو كلام الرجل في بيته: لا والله، بلى والله ) ). وروي أيضًا عن عائشة رضي الله عنها موقوفًا أنها قالت: لغو اليمين: لا والله، بلى والله. وروي مثله عن إسماعيل القاضي، فعلى هذا يكون معنى الآية: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} ، أي: من أيمانكم، وتكون الأيمان على هذا منها ما يؤاخذ به ومنها ما لا يؤاخذ به في معنى الكفارة دون اعتبار الحلف على ماض أو مستقبل، وهو مذهب الشافعي. وذهب مالك وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى إلى أن الأيمان على ما مضى لا كفارة فيها، وأن الأيمان على ما يستقبل هي التي تتعلق بها الكفارة، فيكون معنى الآية على هذا: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} ، أي بالكفارة في الأيمان على ما مضى ولكن يؤاخذكم بها في الأيمان المستقبلة، وتأولوا قوله تعالى: {عقدتم الأيمان} أن المراد به كل ما يتصور عليه عقد العزم في الأفعال. وبهذا لا يصح إلا في الأفعال المستقبلة، وأما
الماضية فلا يتصور عقد العزم عليها. قال بعضهم: وهذا ينتقض بالحلف على فعل الغير ونحوه، وفي هذا نظر. وقال بعضهم: اللغو أن يحلف على معصية أن يفعلها، فينبغي له ألا يفعلها ولا كفارة عليه بالحنث في ذلك. وروي عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليتركها، فأن تركها كفارتها ) )، وقد مر في سورة البقرة الكلام على سائر التأويلات في الآية.