وانظر إلى النَّحل وعجائبها التي لا تُحصَى: في جمع الشَّهْدِ والشَّمع، ونُنبهك على هندَسَتها في بناء بيتها، فإنها تبني على شكل المسدس، كيلا يضيق المكان على رُفقائها، لأنها تزدحم في مَوضع واحد على كثرتها، ولو بَنَتْ البيوتَ مستديرةً لبقيَ خارجَ المُستديرات فُرَجٌ ضائعة، فإن الدوائر لا تراصُّ، وكذلك سائر الأشكال، وأما المربعات فَتُراصُّ، ولكن شكل النحل يميل إلى الاستدارة فيبقى داخل البيت زوايا ضائعة، كما يبقى في المستدير خارجَ البيت فُرَجٌ ضائعة، فلا شكلَ من الأشكال يقرُب من المتسدير في التَّراصِّ غير المسدس، وذلك يُعرف بالبرهان الهندسي. فانظر كيف هداهُ الله خاصيَّة هذا الشكل، وهذا أنموذَجٌ من عجائب صُنع الله ولطفه ورحمته بخلقه، فإن الأدنَى بَيِّنَةٌ على الأعلى؛ وهذه الغرائبُ لا يمكن أن تُسْتَقْصَى في أعمارٍ طويلة، أعني ما انكشفَ للآدَميِّين منها، وأنه ليسيرٌ بالإضافة إلى ما لا ينكشف واستأثرَ هُوَ والملائكةُ بعلمه، وربما تجد تلويحاتٍ من هذا الجنس في كتاب"الشُكر"وكتاب"المحبة"؛ فاطلبه إن كنتَ له أهلاً، وإلا فَغُضَّ بصرَكَ عن آثار رحمة الله، ولا تنظر إليها، ولا تسرح في ميدان معرفة الصُنع ولا تَتَفَرَّج فيه، واشتغل بأشعار المُتنَبي، وغرائبِ النَّحو لِسيبَوَيْه، وفروعِ ابنِ الحداد في نَوادِرِ الطلاق، وحِيَلِ المُجادلة في الكلام، فذلك أَلْيَقُ بك، فإن قيمَتَكَ على قدر هِمَّتك {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نصحي إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ} و {مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ} ولنرجع إلى الغرض، والمقصودُ التنبيهُ على أنموذَجِ من رحمة في خلق العالمين.
وثانيها: تعلُّقُها بقوله {مالك يَوْمِ الدين} : فيشيرُ إلى الرحمة في المَعادِ يومَ الجزاءِ عند الإنعام بالمُلْكِ المؤَبَّدِ في مقابَلةِ كلمةٍ وعبادة، وشرحُ ذلك يطول.
والمقصودُ أنه لا مكرَّرَ في القرآن، فإن رأيتَ شيئاً مكرراً من حيث الظاهر، فانظرُ في سَوابقه ولَواحقه لينكشف لك مزيدُ الفائدة في إعادته.