ثم لما قرر أمر الربوبية بهذا الطريق أمره بثلاثة أشياء: أولها: مقام الشريعة ، وهو أن يواظب على الأعمال الظاهرة ، وهو قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}
وثانيها: مقام الطريقة ، وهو أن يحاول السفر من عالم الشهادة إلى عالم الغيب ، فيرى عالم الشهادة كالمسخر لعالم الغيب ، فيعلم أنه لا يتيسر له شيء من الأعمال الظاهرة إلا بمدد يصل إليه من عالم الغيب ، وهو قوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}
وثالثها: أنه يشاهد عالم الشهادة معزولاً بالكلية ، ويكون الأمر كله لله ، وحينئذٍ يقول: {اهدنا الصراط المستقيم} .
ثم إن ههنا دقيقة ، وهي أن الروح الواحد يكون أضعف قوة من الأرواح الكثيرة المجتمعة على تحصيل مطلوب واحد ، فحينئذٍ علم العبد أن روحه وحده لا يكفي فِي طلب هذا المقصود ، فعند هذا أدخل روحه فِي زمرة الأرواح المقدسة المطهرة المتوجهة إلى طلب المكاشفات الروحانية والأنوار الربا نية ، حتى إذا اتصل بها وانخرط فِي سلكها صار الطلب أقوى والاستعداد أتم ، فحينئذٍ يفوز فِي تلك الجمعية بما لا يقدر على الفوز به حال الوحدة ، فلهذا قال: {صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} .
ثم لما بين أن الاتصال بالأرواح المطهرة يوجب مزيد القوة والاستعداد ؛ بين أيضاً أن الاتصال بالأرواح الخبيثة يوجب الخيبة والخسران والخذلان والحرمان ، فلهذا قال: {غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ}
وهم الفساق {وَلاَ الضالين}
وهم الكفار.
ولما تمت هذه الدرجات الثلاث وكملت هذه المقامات الثلاثة أعني الشريعة المدلول عليها بقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}
، والطريقة المدلول عليها بقوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}
، والحقيقة المدلول عليها بقوله: {اهدنا الصراط المستقيم}
ثم لما حصل الاستسعاد بالاتصال بأرباب الصفاء والاستكمال بسبب المباعدة عن أرباب الجفاء والشقاء ، فعند هذا كملت المعارج البشرية والكمالات الإنسانية.
المسألة الثالثة: