وتقريره: أن أجسام العالم متساوية فِي ماهية الجسمية ، ومختلفة فِي الصفات ، وهي الألوان والأمكنة والأحوال ، ويستحيل أن يكون اختصاص كل جسم بصفته المعينة لأجل الجسمية أو لوازم الجسمية ، وإلا لزم حصول الاستواء ، فوجب أن يكون ذلك لتخصيص مخصص وتدبير مدبر ، وذلك المخصص إن كان جسماً عاد الكلام فيه ، وإن لم يكن جسماً فهو المطلوب ، ثم ذلك الموجود إن لم يكن حياً عالماً قادراً ، بل كان تأثيره بالفيض والطبع عاد الإلزام فِي وجوب الاستواء ، وإن كان حياً عالماً قادراً فهو المطلوب ، إذا عرفت هذا فقد ظهر أن كل واحد من ذرات السماوات والأرض شاهد صادق ، ومخبر ناطق ، بوجود الإله القادر الحكيم العليم ، وكان الشيخ الإمام الوالد ضياء الدين عمر رحمه الله يقول: إن لله تعالى فِي كل جوهر فرد أنواعاً غير متناهية من الدلائل الدالة على القدرة والحكمة والرحمة ، وذلك لأن كل جوهر فرد فإنه يمكن وقوعه فِي أحياز غير متناهية على البدل ، ويمكن أيضاً اتصافه بصفات غير على البدل ، وكل واحد من تلك الأحوال المقدرة فإنه بتقدير الوقوع يدل على الافتقار إلى وجود الصانع الحكيم الرحيم ، فثبت بما ذكرنا أن هذا النوع من المباحث غير متناه.
وأما تحصيل الهداية بطريق الرياضة والتصفية فذلك بحر لا ساحل له ، ولكل واحد من السائرين إلى الله تعالى منهج خاص ، ومشرب معين ، كما قال: {وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلّيهَا} [البقرة: 148] ولا وقوف للعقول على تلك الأسرار ، ولا خبر عند الأفهام من مبادئ ميادين تلك الأنوار ، والعارفون المحققون لحظوا فيها مباحث عميقة ، وأسراراً دقيقة ، فلما ترقى إليها أفهام الأكثرين.