فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 228

أخي إذاَ بعد ذلك إلا أن تثبت لله ما وصف به نفسه وما وصفه به رسوله - صلى الله عليه وسلم - من غير تكييف ولا تمثيل، وهذه هي عقيدة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآله وأصحابه والسلف الصالح من بعده، فما علينا إلا الإقتداء بهم.

والأحباش يقولون بأن الله خلق العرش إظهارًا لقدرته، وهذا الكلام مخالف لعقيدة أهل السنة والجماعة. فقد قال الإمام الطحاوي:"وهو مستغن عن العرش وما دونه، فقال تعالى: {فإنّ الله غنيٌ عن العالمينَ} . [1] وقال تعالى: {والله هوَ الغنيُّ الحميدُ} [2] قال ابن أبي العز:"وإنما قال الشيخ رحمه الله هذا الكلام هنا لأنه لما ذكر العرش والكرسي ذكر بعد ذلك غناه سبحانه عن العرش وما دون العرش ليبين أن خلقه للعرش واستواءه عليه ليس لحاجته إليه بل له في ذلك حكمة اقتضته. وكون العالي فوق السافل لا يُلزم أن يكون السافلُ حاويًا للعالي محيطًا به حاملًا له، ولا أن يكون الأعلى مُفتقرًا إليه. فانظر إلى السماء كيف هي فوق الأرض وليست مفتقرة إليها! فالربُّ تعالى أعظمُ شأنًا وأجلُّ من أن يلزم من عُلُوّه ذلك. بل لوازمُ علوه من خصائصه، وهي حَمْلُهُ بقُدرتِه للسافل وفقرُ السافل إليه، وغناه هو سبحانه عن السافل وإحاطته عز وجل به، فهو فوق العرش مع حَمْلِه بقدرته للعرش وحمله وغناه عن العرش وفقر العرش إليه وإحاطته بالعرش وعدم إحاطة العرش به وحصره للعرش وعدم حصر العرش له وهذه اللوازم منتفية عن المخلوق". [3] "

نقول: ففي هذا رد على أهل التعطيل (ومنهم معطلة اليوم الأحباش) ، فلو اتبعوا سواء السبيل وساروا خلف الدليل وعلموا أن العقل مطابق للتنزيل وتركوها على ظواهرها كما كان حال علماء السلف لكان خيرًا لهم، فعندما سُئل الإمام مالك رحمه الله عن قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} [4] كيف استوى فقال:"الاستواء معلوم والكيف مجهول". [5]

ثم نقول: لو كانت الحكمة من خلق العرش إظهار قدرته تعالى لكان الأولى في ذلك سائر مخلوقاته الظاهرة لبني آدم حتى يعتبروا بذلك، لأنهم لا يرون العرش والعرش لنا من الغيبيات، فعلم بعد ذلك أن تأويل الأحباش لذلك مرفوض عقلًا ونقلًا كما مر معنا سابقًا.

هذه الأحاديث الصحيحة تدل على عظمة الله وعظيم قدرته وعظيم مخلوقاته. وأنه سبحانه وتعالى قد تعرف إلى عباده بصفاته وعجائب مخلوقاته. وكلها تعرّف وتدل على كماله، وأن العبادة لا تصلح إلا

(1) آل عمران:97.

(2) فاطر: 15.

(3) شرح العقيدة الطحاوية ص 372.

(4) طه: 5.

(5) رواه البيهقي في الأسماء والصفات ص 408 وابن حجر في الفتح 13/ 406 وروى هذا عن أم سلمة موقوفًا ومرفوعًا. نفس المصدر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت