لديه رسل يرسل بهم عذابه أو رحمته، فهل يعقل أن يكون للمرسَلين رسل يرسلون بهم عذابهم؟؟؟
رابعًا: يحذّر الله تعالى عباده أن يخافوا أحدًا غيره فيقول: {فلا تخشوهم واخشون} ، [1] وقوله في مدحه للمؤمنين: {ولا يخشون أحدًا إلا الله} ، [2] فكيف يقول ذلك ثم يخالفه بأن يقول لهم: {ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} ، ويعني بذلك -وفقًا لتأويلهم الباطل- تخويف عباده من ملائكته أو من جبريل. وبهذا تعلم -أخي القارئ- أن التناقض ليس من آيات الله وكلامه، وإنما هو ممن يفرون بتأويل آيات الله التي تخالف مذهبهم، فيقعون بأشر مما ظنوه شرا وما يكاد الواحد منهم يظن بأنه قد فر من محظور إلا ويقع في محظور أشد منه، وهذا كله من عواقب التأويل السيئة.
خامسًا: جاء في تفسير هذه الآية، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:" [ءأمنتم عذاب من في السماء، وهو الله عز وجل] ". [3] وقال ابن جرير رحمه الله:" {ءأمنتم من في السماء} ، هو الله: {أن يرسل عليكم حاصبًا} وهو التراب فيه الحصباء الصغار". [4]
وأما ابن كثير وابن قتيبة فقد قرنوا قوله تعالى في الآيتين اللتين قارنّا بينهما من قبل، وهو قوله تعالى: {ءأمنتم من في السماء} ، وقوله: {أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبًا} . [5]
أما الإمام القرطبي فقد قال:"قال ابن عباس رضي الله عنهما: {ءأمنتم من في السماء} ، ءأمنتم عذاب من في السماء إن عصيتموه"، ثم قال:"ولم ينكر أحد من السلف أنّ استواءه على عرشه حقيقة، وخصّ بذلك العرش لأنه أعظم مخلوقاته وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا يُعْلَمُ حقيقة كيفيته". [6]
وقال المراغي في تفسيره:" {ءأمنتم من في السماء} ، أي ءأمنتم أن يخسف ربكم بكم الأرض كما خسفها بقارون". [7]
وقال البيهقي رحمه الله تعالى:" {ءأمنتم من في السماء} وأراد مَن فوق السماء كما قال: {ولأصلبنكم في جذوع النخل} ، [8] يعني على جذوع النخل، وقال تعالى: {فسيحوا في الأرض} ، [9] يعني"
(1) البقرة: 150.
(2) الأحزاب: 39.
(3) "زاد المسير في علم التفسير"لابن الجوزي 8/ 322، و"حاشية الدر المنثور"6/ 109.
(4) "تفسير الطبري"، المجلد الثاني، ج29 ص 6، طبع دار المعرفة.
(5) "تفسير القرآن العظيم"لابن كثير 4/ 398، و"تأويل مشكل القرآن"لابن قتيبة ص546.
(6) تفسير القرطبي ج17 - 18 ص215 - 216.
(7) تفسير المراغي المجلد الرابع جزء 29.
(8) طه: 71.
(9) التوبة: 2.