سبحانه وتعالى: (ءأمنتم من في السماء أن يخسفوا بكم الأرض) ولكنه تعالى قال: {ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} . وحين تقول ذلك لحبشي يقول لك بأنه قد ثبت إطلاق الجمع على المفرد كقوله تعالى: {إنّا نحن نزلنا الذكر} ، [1] وهذا صحيح، ولكن لا يصح إطلاق المفرد على الجمع، أي لا يصح أن تقول"جاءني رجل"وأنت تقصد رجالًا عديدين، فهذا محال. وأما قولهم بأن المقصود في الآية هو جبريل فهو كذلك قول مرفوض لوجوه عديدة، منها:
أولًا: إن الله لم يقل في كتابه: {ءأمنتم} إلا إذا كان المقصود بذلك هو الله، لا أحد غيره من المخلوقات، كما في: [سورة النمل: 45، الأعراف: 97 و99، يوسف: 107 والإسراء: 68] . بل قد جاء في سورة النحل ما يدحض كذبه، فقال تعالى: {أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض} ، فقولهم إذن مردود.
ثانيًا: قوله تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} ، أي ضل من تدعون إلا الله، وقوله تعالى: {فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورًا} ، [2] والآن انتبهوا إلى آخر الآية: {أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبًا} ، [3] فلا مجال للشك في أن الضمير في كلا الآيتين عائد إلى الله تعالى: {ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور. أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبًا} [4] ، وخير ما فُسِّر به القرآن: القرآن.
وهذا يبطل تأويل تلك الجماعة لأنه لا فرق بين قوله تعالى: {أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبًا} ، وبين قوله تعالى: {أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبًا} ، فلا مجال للشك في أن المقصود بمن في السماء هو الله، لأن المقصود بالآية الأولى هو الله تعالى، لذلك بطل التأويل في الآية الثانية بأن المقصود هو جبريل أو الملائكة، ومن زعم أن الآية تعني جبريل فكأنما جعل الآية التي قبلها: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} ، أي جبريل، وهذا شرك بالله عزّ وجلّ.
ثالثاَ: إن قوله تعالى: {يرسل عليكم حاصبًا} ، دال على أن الله هو الذي يرسل الحاصب سواء كان إرساله عن طريق جبريل أو أي ملك آخر، فلا يصح أن يكون جبريل هو المُرْسِل لأنه رسولٌ مُرْسَلٌ من ربه ليس هو مرسِل وإنما مُرسَل، بفتح السين لا بكسرها. ولقد جاء في كتاب الله ما يقارب المائة وثمانية وعشرين (128) آية يذكر الله تعالى فيها أنه هو المرسل، كقوله تعالى أنه: يرسل الريح والأبابيل وأمثال ذلك، ولم نجد آية واحدة يذكر فيها أن جبريل أو أن الملائكة يرسلون العذاب إلى الناس، والله تعالى
(1) الحجر: 9.
(2) الإسراء: 67.
(3) الإسراء: 68.
(4) الملك: 16 - 17.