ومنهم من قال بمنعه، ويروى هذا القول عن جماعة، كعبيدة السلماني، و أبي مجلز لاحق بن حميد، وغيرهم من السلف أنه إذا دخل الهلال عليه في حال الإقامة ما جاز له السفر، بخلاف الإنسان إذا كان مسافرًا فإنه يترخص بدخوله، هذا قول لبعض السلف, ولكن عامة السلف والفقهاء على أن الصائم إذا دخل عليه رمضان ثم أراد أن يسافر لحاجة لا تهربًا من الصيام فإن فطره حينئذ صحيح ولا حرج عليه، كالذي يذهب في رمضان لعمرة، أو يذهب مثلًا لصلة رحم، أو لحاجة من الحاجات المباحة لا نفرة من الصيام فهذا مما لا بأس به. وثمة قول آخر في هذه المسألة وهو أن من السلف من قال بوجوب الفطر في السفر، وهذا القول جاء عن عبد الرحمن بن عوف فإنه قال: الصوم في السفر كالفطر في الحضر، وذهب إلى هذا القول قلة من السلف، وعامة الفقهاء على خلافه. أما الفقهاء من الأئمة الأربعة فقد اختلفوا في مسألة الصوم في السفر على ثلاثة أقوال: القول الأول: قالوا بأنه يجوز للإنسان أن يترخص بالفطر إلا أن صومه أفضل، وذهب إلى هذا جمهور الفقهاء، وهذا قول الإمام مالك، والإمام الشافعي، وعن أبي حنيفة وغيرهم. القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد عليه رحمة الله، فإنه ذهب فيها إلى أن الفطر في السفر أفضل، ولو صام صح صومه. القول الثالث: وهو رواية أيضًا أخرى عن الإمام أحمد وعن أبي حنيفة إلى أنه بحسب حال الإنسان إذا كان الأيسر له الصيام فالصيام له أفضل، وإذا كان يشق عليه الصيام فالفطر له أفضل، وهذا القول قال به غير واحد من السلف كعمر بن عبد العزيز وغيره، وهذا هو الأرجح، وبه تجتمع الأدلة وتأتلف في مسألة الصوم في السفر، فمن الأدلة تذكر صيام النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه في السفر، ومنها تذكر الفطر، ومنها من تحث على الرخصة، ونقول: إن جامع ذلك هو هذه المسألة أنه بحسب المشقة على الإنسان، والأصل في ذلك الجواز.