فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: (ما بين المشرق والمغرب قبلة) ، تيسيرًا للناس، مع أنهم قد يهتدون بالنجوم ويعرفون الصواب، ولهذا الإمام أحمد رحمه الله يكره الاهتداء بالنجم لتحديد القبلة؛ لماذا؟ لأنه ينافي مبدأ التيسير، وهذا ما يغفل عنه كثير من أهل الحساب أنهم يظنون أن الشريعة تشوفت إلى باب الدقة بعينها، في حين أن الشريعة ما تشوفت لباب الدقة بعينها، وإنما غلبت عليها التيسير مع الرغبة بإصابة الحق، ولهذا كانوا يتنكبون الحساب مع ظهوره وجلائه حتى في اتساع دولة الإسلام، حتى أنه لما ظهر الحساب في زمن الفتوحات في العراق والشام، وكذلك أيضًا في الأندلس وشاع ذلك كانوا ينكرون على من استعمله مع وجوده ودقته عندهم. ولهذا قد حكى الإجماع على أنه لا عبرة بالحساب في دخول الشهر وانصرامه جماعة من العلماء كابن المنذر، و ابن عبد البر، و النووي، و ابن قدامة وغيرهم من الأئمة، ولا أعلم أحدًا من السالفين يقول بالحساب، وإنما يروى هذا عن مطرف بن الشخير، وقال بشذوذه غير واحد كابن عبد البر رحمه الله في الاستذكار. وجاء أيضًا عن ابن قتيبة فإنه كان يقول به وليس أيضًا ممن يحفل بقوله في مسائل الخلاف في حال ورود الإجماع وثبوته، وجاء أيضًا هذا القول عن أبي العباس بن سريج وهو من فقهاء الشافعية، وقد أنكره عليه غير واحد من العلماء، ولهذا أبو بكر بن العربي عليه رحمة الله وهو من أئمة المالكية ذكر أنه يقول: بلغني عن بعض الفقهاء من الشافعية أنه يقول بالحساب فتتبعت ذلك فلم أجده حتى وجدت أن أبا العباس بن سريج يقول بذلك, وهي زلة قدم لا قوام معها، مع انتشار ذلك في زمنه وهو من أهل الأندلس, ويدركون معنى الحساب ويعرفونه وليسوا بأمة أمية يكتبون ويحسبون ويعرفون, وذلك لأن الشريعة تشوفت إلى هذا المقصد، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته) , لأنه من أمر التيسير.