وأما الأولون فإنهم يحتجون بما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى [1] » . وهذا الحديث اتفق على صحته والعمل به.
فلو نذر بشده الرحال أن يصلى بمسجد، أو بمشهد، أو يعتكف فيه، ويسافر إليه، غير هذه الثلاثة، لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة.
ولو نذر أن يسافر ويأتي إلى المسجد الحرام بحج أو عمرة، وجب عليه ذلك باتفاق العلماء، ولو نذر أن يأتي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى لصلاة أو اعتكاف، وجب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعي في أحد قوليه وأحمد، ولم يجب عند أبي حنيفة؛ لأنه لا يجب عنده بالنذر إلا ما كان من جنسه واجبا [2] .
وأما الجمهور فيوجبون الوفاء بكل طاعة، كما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه [3] » . والسفر إلى المسجدين طاعة فلهذا وجب الوفاء به.
وأما السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة فلم يوجب أحد من العلماء السفر إليه إذا نذروه، حتى نص العلماء أنه لا يسافر إلى مسجد قباء؛ لأنه ليس من الثلاثة، مع أن مسجد قباء تستحب زيارته
(1) مسند أحمد بن حنبل (6/ 7) .
(2) زاد ابن عبد الهادي في العقود الدرية 222. (( بالشرع ) )
(3) صحيح البخاري الأيمان والنذور (6696) ، كتاب الأيمان والنذور (6700) ، سنن الترمذي النذور والأيمان (1526) ، سنن النسائي كتاب الأيمان والنذور (3806) ، الأيمان والنذور (3807) ، كتاب الأيمان والنذور (3808) ، سنن أبو داود الأيمان والنذور (3289) ، سنن ابن ماجه الكفارات (2126) ، مسند أحمد بن حنبل (6/ 224) ، باقي مسند الأنصار (6/ 36) ، كتاب باقي مسند الأنصار (6/ 41) ، موطأ مالك النذور والأيمان (1031) ، سنن الدارمي النذور والأيمان (2338) .