فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 387

وبعد هذا، فهذا الخبر من أخبار الآحاد فيما من شأنه أن يكون معلوما، فغير جائز قبوله لأنّ كلّ واحد من المخبرين يجوز عليه الغلط فيما يخبر به، ويصحّ كونه كاذبا في نقله، ولا يجوز أن يقطع في ديننا على الشيء من وجه يجوز الغلط فيه لأنّا لا نأمن بالإقدام على اعتقاده من أن يكون جهلا، ولا نأمن من أن يكون إخبارنا عنه كذبا، وإنّما نعمل بأخبار الآحاد في فروع الدين وما يصحّ أن يتبع العمل به غالب الظنّ.

وممّا علّقته عن قاضي القضاة أبي الحسن عبد الجبّار بن أحمد عند بلوغي في القراءة عليه إلى الكلام في الرؤية: «إلى من شرط في قبول خبر الواحد أن يكون راويه عدلا، وراوي هذا الخبر قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله البجلي، وكان منحرفا عن أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام ويقال: إنّه كان من الخوارج، وذلك يقدح في عدالته، ويوجب تهمته في روايته [1] .

وأيضا: فقد كان رمي في عقله قبل موته، وكان مع ذلك يكثر الرواية، فلا يعلم هل روى هذا الخبر في الحال التي كان فيها سالم التمييز، أو في الحال التي كان فيها فاسد المعقول؟ وكلّ ذلك يمنع من قبول خبره، ويوجب اطراح روايته».

وأقول أنا: ومن شرط قبول خبر الواحد أيضا مع ما ذكره قاضي القضاة من اعتبار كون راويه عدلا أن يعرى الخبر المروي من نكير السلف، وقد نقل نكير جماعة من السلف على راوي هذا الخبر، منهم

الْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ السُّلَمِيُّ، وَهُوَ مِنْ مُخْتَصِّي الصَّحَابَةِ، رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ، فَقَدْ كَذَبَ»

وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهَا قَالَتْ:

«مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ»

[3] . وقالت ذلك

(1) انظر: تاريخ بغداد 12: 452، اسد الغابة 4: 211، تهذيب التهذيب 2: 73.

(2) مسند أحمد 6: 49، صحيح البخاري 6: 50وفيهما: من حدثكهنّ.

(3) صحيح مسلم 1: 110، سنن الترمذي 4: 328: 5063، روي فيهما عن عائشة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت