فأمّا قول الله سبحانه وتعالى: {فَظَلَّتْ أَعْنََاقُهُمْ لَهََا خََاضِعِينَ} [1] ، فقد فسّر أيضا على وجهين أوردناهما في مواضع من كلامنا في تأويل القرآن [2] :
فأحد الوجهين: أن يكون سبحانه ذكر الأعناق، ثمّ ردّ الذكر على أصحاب الأعناق لأنّ خضوع الأعناق هو خضوع أصحابها لمّا لم يكن خضوعهم إلّا بها.
والوجه الآخر: أن يكون أراد الجماعات لأنّه قد تسمّى الجماعة «عنقا» على الوجه الذي قدّمنا ذكره، يقول القائل: «جاءني عنق من الناس» أي جماعة، فيكون {خََاضِعِينَ} صفة للجماعات، والمعنى في ذلك ظاهر غير محتاج إلى التأويل.
وقد يجوز أن يكون «الأعناق» هاهنا كناية عن السادات والمتقدّمين من القوم، يقال: «هؤلاء أعناق القوم» أي ساداتهم، كما يقال: «هؤلاء رؤوسهم وعرانينهم» [3] ذكر ذلك صاحب «العين» في كتابه [4] .
وقال لي أبو حفص عمر بن إبراهيم الكتّاني صاحب ابن مجاهد، وقد قرأت عليه القرآن بروايات كثيرة: «سمعت أبا بكر بن سفيان [5] النحوي صاحب المبرّد يقول: أولى الوجوه بتأويل هذه الآية أن يكون {خََاضِعِينَ}
(1) الشعراء (26) : 4.
(2) مجازات القرآن: 170.
(3) أي ساداتهم وأشرافهم.
(4) انظر كتاب العين 1: 191.
(5) في نسخة ب: أبا بكر بن شقر.