فكأنّه عليه الصلاة والسلام قال: «وناراهما مختلفان» أي حرباهما متباينان هذه تدعو إلى الهدى والرشاد، وهذه تدعو إلى العمى والضلال.
وقد يجوز في ذلك عندي وجه آخر: وهو أن يكون المراد: لا يجتمع سرباهما، ولا يختلط سرحاهما [1] ، و «النار» عندهم اسم لسمات [2]
الإبل، يقولون: «على هذه الإبل نار بني فلان» أي وسمهم. وعلى هذا قول بعض خرّاب الإبل في ذكر أذواد [3] استلبها وأراد عرضها ليبيعها:
يسألني الباعة ما نجارها ... إذ زعزعوها فسمت أبصارها
فكلّ دار لأناس دارها ... وكلّ نار العالمين نارها [4]
أي هي مأخوذة من قبائل شتّى، فوسمها غير متّسق، ونجارها غير متّفق.
وهذا الوجه يعود إلى معنى الوجه الأوّل لأنّ المراد [5] أنّ المسلم
والمشرك لا يجوز اجتماعهما في دار حتّى تجتمع أذوادهما في الرعي، وأورادهما في الورد [6] ، فقوله عليه الصلاة والسلام على هذا الوجه: «لا
(1) السرح: المال السائم. أقرب الموارد 1: 509، مادّة (س ر ح) .
(2) السمات: جمع سمة أي العلامة التي تجعل على الإبل بواسطة كيّها بالميسم. راجع المصباح المنير:
660، مادّة (وس م) .
(3) الأذواد: جمع ذود، وهي من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر. المصباح المنير: 210، مادّة (ذ ود) .
(4) جمهرة الأمثال 2: 140، خزانة الأدب 7: 149، النجار: الحسب والأصل.
(5) في نسخة ب: المراد به.
(6) الأوراد: جمع ورد، وهو من الخيل الأحمر المماثل إلى الصفرة، في الورد: أي في الإشراف على الماء وغيره. راجع أقرب الموارد 2: 14431442، مادّة (ور د) .