«الْقُرْآنُ حَمَّالٌ ذُو وُجُوهٍ»
[1] أي يحتمل التصريف على التأويلات، والحمل على الوجوه المختلفات، وقد ذكرنا هذا الكلام في كتابنا الموسوم ب «نهج البلاغة» ومن ذلك قول القائل: «قلبت أمري ظهرا لبطن» أي صرفته وأدرته ليبين لي منه وجه الرأي فأتبعه، وطريق الرشد فأقصده.
وأنشدنا أبو الفتح النحوي رحمه الله قول الشاعر:
أما تراني قالبا مجنّي [2] ... أقلب أمري ظهره للبطن
قد قتل الله زيادا عنّي [3]
وكان رحمه الله يقول: «في قوله: «قد قتل الله زيادا عنّي» سرّ لطيف وهو أنّه أقام قتله مقام عزله، فكأنّه قال: قد عزل الله زيادا عنّي لأنّه إذا قتل فقد زال سلطانه، وامنت سطواته».
وقال آخرون: «الظهر: تنزيل القرآن وكلامه، والبطن: تأويله وأحكامه» .
وقال بعضهم: «معنى الظهر هاهنا: ما قصّه الله سبحانه علينا في القرآن من أنباء القرون، وأخبار الملوك، وما أوقعه بهم من سطواته، وأنزله بهم من نقماته لمّا جمحوا في أعنّة [4] الطغيان، وأبعدوا في مذاهب البغي والعدوان. وجميع ذلك أحاديث قصّها سبحانه علينا، فهي في
(1) نهج البلاغة 3: 136/ 77في وصيته عليه السّلام لابن عبّاس لمّا بعثه للاحتجاج على الخوارج.
(2) المجنّ: الترس، لأنّ صاحبه يستتر به. المصباح المنير: 112، مادّة (ج ن ن) .
(3) ديوان الفرزدق 2: 881، لسان العرب 4: 520و 11: 547و 13: 94.
(4) الأعنّة: جمع عنان، وهو اللجام. أقرب الموارد 2: 841، مادّة (ع ن ن) .