أنّه يلقى الله تعالى بعد نسيان القرآن ناقصا بعد تمامه، كالذي قطعت يده، فظهرت نقيصة أعضائه، وإن كان أبو عبيد لم يبيّن هذا البيان، فإنّه لم يرد غير هذا المراد.
فأمّا قول ابن قتيبة: «إنّ عقوبة الذنب يجب أن تكون مشاكلة للذنب» وتعلّقه بالمثلين اللذين أوردهما، فقد غلط فيما ظنّه، ووهم فيما توهّمه لأنّ العقوبات لايجب أن تكون مقصورة على الأعضاء المباشرة للذنوب، وإنّما المعاقب بها جملة الإنسان، ولو كان الأمر على ما ظنّه لكان الزاني إذا زنى غير محصن يضرب ذكره، والقاذف إذا قذف يجلد لسانه لأنّهما واقعا المعصية، وباشرا الخطيئة، فلمّا رأينا هذين المذنبين يعاقب منهما غير المواضع التي باشرت الذنب وواقعت الجرم، علمنا أنّ المقصود بالعقوبة جملة الإنسان، دون أعضاء الجسم.
فأمّا يد السارق فلم تكن علّة قطعها أنّه باشربها السرقة، ألا ترى أنّه لو دخل حرزا [1] ، فأخرج منه بفمه دون يده ما يجب في مثله القطع، فقطعت يده، ولم يعتبر أخذه الشيء المسروق بفمه.
وأيضا: فلو أخذ في أوّل مرّة بيده اليسرى قطعت يده اليمنى، وإذا سرق ثانية بعد قطع يده اليمنى قطعت رجله اليسرى، ولم تقطع يده اليسرى وإن باشر السرقة بها، وذلك على مذهب من يرى استيفاء الأعضاء الأربعة في تكرير السرقة، وهو مذهب الشافعي [2] .
(1) الحرز: المكان الذي تحفظ فيه الأموال. راجع المصباح المنير: 129، مادّة (ح ر ز) .
(2) الامّ 6: 150.