وهاتان استعارتان:
إحداهما: قوله عليه الصلاة والسلام: «الصّوم جنّة» والمراد أنّ الصائم الذي يخلص في صومه ويستكمل آخر يومه، يكون بالإخلاص في ذلك الصوم كأنّه قد لبس جنّة [1] من العقاب، وأخذ أمانا من النار.
وللصوم مزيّة على سائر العبادات في هذا المعنى وإن كانت إذا أدّيت على شروطها بهذه الصفة وذلك أنّ الصيام لا يظهر أثره بقول اللسان، ولا فعل الأركان، وإنّما هو نيّة في القلوب، وإمساك عن حركات المطعم والمشرب، فهو يقع بين الإنسان وبين الله خالصا من غير رياء ولا نفاق، وسائر العبادات وضروب القرب والطاعات، قد يجوز أن يفعل على وجه الرياء والسمعة، دون حقائق الإخلاص والطاعة.
وقال لي أبو عبد الله محمّد بن يحيى الجرجاني الفقيه: «عند أصحابنا أنّ الصلاة أفضل من الصيام لأنّها تتضمّن معنى ما في الصيام من الإمساك، وفيها مع ذلك الخشوع وتلاوة القرآن.
وَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا يَزَالُ الْبَدَنُ فِي جِهَادِ الشَّيْطَانِ مَا دَامَ فِي صَلَاتِهِ»
[2] ، فجعل الصلاة أيضا تتضمّن معنى الجهاد».
فأمّا
مَا رُوِيَ فِي الْخَبَرِ: مِنْ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ حَاكِيًا عَنِ اللَّهِ
(1) لأنّ الجنّة: هي كلّ ما وقى من سلاح. أقرب الموارد 1: 144، مادّة (ج ن ن) .
(2) البحار 96: 343، وفيه وفي نسخة ب: «العبد» بدل «البدن» .