للحرف ميزان فلا تك طاغيا ... فيه ولا تك مخسر الميزان
1135[ولا ريبة في عينهنّ ولا ربا
وعند صليل الزّيف يصدق الابتلا]
فى عينهن أى في نفسهن والريبة الشك والربا الزيادة أى لا شك في أنهن متعينات مخارج وصفات يتميز بها بعضها من بعض يدرك ذلك بالحس فهو ضرورى لا شك فيه ولا يمكن الزيادة في التعريف بها بما يكذبه الحس وكذا النقصان وإنما ترك ذكره لظهوره فإن لفظ الزيادة يدل عليه فهو من باب قوله تعالى {تَقِيكُمُ الْحَرَّ} أى والبرد وإلا فلا مناسبة بين قوله ولا ريبة ولا ربا إلا المجانسة اللفظية يعنى أنه أتى بها خالصة العبارة في الدلالة على المقصود ثم تمم البيت بما معناه أن هذا الذى ادّعيته لا يخفى لأن الزيف صليله شاهد عليه وها هى معروضة عليك أى عند نطق الناطق بالحرف يبين للناقد العارف بالمخارج والصفات أن نطقه به على صحة أو فيه خلل فصوت المختل كصليل الزيف والصليل الصوت والزيف مصدر زاف الدرهم إذا ردؤ ويقال أيضا درهم زائف وزيف أى رديء وصفوه بالمصدر وغلب ذلك عليه نحو رجل عدل فيجوز أن يكون الزيف في البيت بمعنى الزائف ويجوز أن يكون المصدر والابتلاء الاختبار أى الناقد إذا اختبر درهما ينقده عند الريبة فيه فيظهر فيه صوت
الرداءة صدق اختباره والاستعارات التى في هذا البيت أيضا تابعة للمجازاة السابقة فهو من باب المجاز المرشح وله نظائر.
1136[ولا بدّ في تعيينهنّ من الأولى
عنوا بالمعانى عاملين وقوّلا]
أى لا بدّ لنا في حصول تعيينهن والتعريف بهن من نقل أقوال الذين اعتنوا بالمعانى فاستنبطوها وأحكموها أى إنى أذكر ما ذكر أئمة العلماء بذلك فالأولى بمعنى الذين وعاملين حال منهم وقولا عطف عليه وهو جمع قائل أى قائلها عاملين بها والضمير في تعيينهن قال الشيخ للموازين وكذا ولا ريبة في عينهن ويجوز أن يكون للحروف على معنى ولا بدّ في تعيين ما تتميز به من المخارج والصفات من الاستعانة بعبارة المتقدمين وإن كان الحس يشهد بذلك:
1137[فابدأ منها بالمخارج مردفا
لهنّ بمشهور الصّفات مفصّلا]
منها أى من المعانى إن كان أراد بقوله عنوا بالمعانى المخارج والصفات وإن كان أراد مطلق المعانى فالهاء في منها عائدة على الحروف وهذا مما يقوى أن الضمير في تعيينهن للحروف، وفى قوله:
وما هاك موازين الحروف
ويكون منها على حذف مضاف أى في أحكام الحروف وقوله مردفا لهن للمخارج بذكر ما اشتهر من صفات الحروف مفصلا ذلك أى مبينا ثم شرع في ذكر المخارج وقال:
1138[ثلاث بأقصى الحلق واثنان وسطه
وحرفان منها أوّل الحلق جمّلا]
أى منها ثلاثة أحرف حلت بأقصى الحلق وحرفان في وسطه وحرفان أوّله وجملا نعت لحرفان فالألف ضمير التثنية ذكر في هذا البيت سبعة أحرف وهى المسماة حروف الحلق وإنما قال ثلاث ولم يقل ثلاثة ومراده ثلاثة أحرف لأن الأحرف عبارة عن حروف المعجم وتلك يجوز معاملة ألفاظها بالتأنيث والتذكير فقال ثلاث بلفظ التأنيث العددى اعتبارا لذلك المعنى، ثم قال واثنان فاعتبر اللفظ فذكر وقد تقدم الكلام في ذلك أيضا في شرح قوله في الأصول غير عشر ليعدلا ومثله قول عمر بن أبى ربيعة ثلاث شخوص كاعبان ومعصرا أنث عدد شخوص وهو لفظ مذكر لما أراد به نساء، ذكر سيبويه رحمه الله أن مخارج الحروف ستة عشر مخرجا وهى دائرة على ثلاثة الحلق والفم والشفة ويقال الحلق واللسان والشفتان والمعنى واحد وكل ذلك على التقريب وإلحاق ما اشتدّ تقاربه بمقاربه وجعله معه من مخرج واحد والتحقيق أن كل حرف له مخرج يخالف الآخر باعتبار الصفات وإلا كان إياه فللحلق ثلاثة مخارج أقصاه وأوسطه وأدناه إلى الفم وهو المراد بقوله أوّل الحلق ولهذا سميت هذه الحروف السبعة لحروف لحلق إضافة لها إلى مخرجها فالثلاثة التى لأقصى الحلق الهمزة والألف والهاء وهى على هذا الترتيب فالهمزة أقصى الحروف مخرجا تكاد تخرج من الصدر والحرفان اللذان من أوسط الحلق هما العين والحاء
المهملتان والحرفان اللذان من أدنى الحلق هما الغين والخاء المعجمتان ويتبين لك مخرج كل حرف بأن تنطق بالحرف ساكنا وقبله همزة وصل، ثم شرع في الحروف التى تخرج من الفم وفيه عشرة مخارج لثمانية عشر حرفا في أربعة مواضع من اللسان، أقصاه ووسطه وحافته وطرفه، ففي الأقصى مخرجان وفى الوسط واحد وفى الحافة مخرجان وفى الطرف خمسة مخارج فقال: