وغلب على ذرية العجم لفظ الموالى، يقال فلان من العرب وفلان من الموالى، فهذا الذى ينبغى أن يحمل عليه ما أشار إليه بقوله: أحاط به الولا، يعنى ولادة العجم، ولا يستقيم أن يراد به ولاء العتاقة، فإن ذلك لم يتحقق فيهم أنفسهم ولا في أصول جميعهم، ولا يستقيم أن يراد به ولاء الحلف، فإن العربية لا تنافى ذلك، وقد كان جماعة من العرب يحالفون غيرهم. وقد قيل في نسب أبى عمرو: إنه كان حليفا في بنى حنيفة، وقيل كان ولاؤه
للعنبر، وقد بينا جميع ذلك وحققناه في الشرح الكبير، والهاء في به عائدة على باقيهم فهو لفظ مفرد وإن كان مدلوله هنا جماعة، وأحاط: أى أحدق وشمل، والله أعلم.
42 [لهم طرق يهدى بها كلّ طارق ... ولا طارق يخشى بها متمحّلا]
أى لهؤلاء القراء مذاهب منسوبة إليهم يهدى بها: أى يهتدى بنفسه، أو يرشد المستهدين بتلك الطرق كل طارق: أى كل من يقصدها ويسلك سبيلها.
جعل تلك الطرق كالنجوم التى يهتدى بها كأنه قال: كل سالك ومارّ في هذا العلم فإنه يهتدى بهذه الطرق ويهدى بها. وقيل المراد بكل طارق: أى كل نجم، وكنى بالنجم عن العالم لاشتراكهما في الاهتداء بهما، ثم قال: ولا طارق يخشى بها: أى ولا مدلس، من قولهم طرق يطرق طروقا: إذا جاء بليل، والليل محل الآفات.
والمعنى أن تلك الطرق قد اتضحت واستنارت فلا يخشى عليها مضلل ولا مدلس، و «لا» بمعنى ليس وطارق اسمها ويخشى خبرها أو صفة لطارق وبها الخبر. ويجوز أن يكون بها متعلقا بمتمحلا، ومتمحلا خبر لا أو حال من الضمير في يخشى العائد على طارق، يقال تمحل إذا احتال ومكر فهو متمحل.
43 [وهنّ اللّواتى للمواتى نصبتها ... مناصب فانصب في نصابك مفضلا]
وهنّ ضمير الطرق، واللواتى من الأسماء الموصولة وهو جمع اللاتى جمع التى، والمواتى: الموافق، وأصله الهمز، ونصبتها: أى رفعتها وأبرزتها وأصلتها، مناصب: أى أصولا جمع منصب وهو الأصل وكذلك النصاب:
أى وتلك الطرق والمذاهب هى التى نظمت في هذه القصيدة لمن وافقنى على ما اصطلحت فيها ونصبتها أصولا لمن يقرؤها: أو أعلاما لعز من علمها وشرفه، ومناصب مفعول ثان لنصبت على تضمين نصبت معنى جعلت، وقيل هو حال، وقيل تمييز ثم قال فانصب: أى اتعب وتجرد وشمر لتحصيلها، ونصاب الشيء أصله: أى اتعب في تحصيل بضاعة العلم الذى يصير أصلا لك تنسب إليه إذا انتسب الناس إلى آبائهم وقبائلهم، وقيل المراد به النية: أى اتعب في تخليص نيتك مما يفسدها في قراءة هذا العلم ومفضلا حال من الضمير في انصب، يقال أفضل الرجل: إذا أتى بفاضل الأعمال، كأحسن وأجمل: إذا أتى بحسنها وجميلها: أى مفضلا بإخلاص النية، والله أعلم.
44 [وما أنا[1] ذا أسعى لعلّ حروفهم ... يطوع بها نظم القوافى مسهّلا]
ها حرف تنبيه وأنا ضمير المتكلم وذا اسم إشارة، ونظير هذه العبارة قوله تعالى:
{ (هََا أَنْتُمْ أُولََاءِ تُحِبُّونَهُمْ} [2] ) .
فإعرابه كإعرابه، وأسعى: بمعنى أحرص وأجتهد: أى إنى مجتهد في نظم تلك الطرق راجيا حصول ذلك وتسهيله، والضمير في حروفهم للقراء، والمراد بالحروف قراءاتهم المختلفة. وقال صاحب العين: كل كلمة
(1) أنا مبتدأ ثان وأسعى خبره أو تقول أنا مبدأ وذا بدل منه، وأسعى خبره. أو ذا خبر أنا.
(2) سورة آل عمران، آية: 119.