الثالث: أبو عمرو بن العلاء البصرى، رحمه الله تعالى. أغزرهم علما وأثقبهم فهما. قرأ على جماعة جلة من التابعين، من أهل الحجاز والعراق، كمجاهد، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ويحيى بن يعمر، وأبى العالية. واشتهرت قراءته في البلاد، وأخبر مثل سفيان بن عيينة قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم في المنام فقلت: يا رسول الله قد اختلفت علىّ القراءات، فبقراءة من تأمرنى أن أقرأ؟ قال اقرأ بقراءة أبي عمرو
ابن العلاء. وقال أحمد بن حنبل في إحدى الروايات عنه: قراءة أبى عمرو أحب القراءات إلىّ، هى قراءة قريش، وقراءة الفصحاء.
الرابع: أبو عمران: عبد الله بن عامر الدمشقى رحمه الله تعالى، هو أسنّ القراء السبعة وأعلاهم إسنادا.
قرأ على جماعة من الصحابة: حتى قيل إنه قرأ على عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأنه ولد في حياة النبى صلّى الله عليه وسلم. وممن قرأ هو عليه من الصحابة، معاوية، وفضالة بن عبيد، ووائلة بن الأسقع، وأبو الدرداء رضي الله عنهم. فلما مات أبو الدرداء خلفه ابن عامر وقام مقامه، واتخذه أهل الشام إماما، وحديثه مخرّج في صحيح مسلم. ومن رواته الآخذين عن أصحاب أصحابه: هشام بن عمار أحد شيوخ أبى عبد الله البخارى رحمهم الله.
الخامس: أبو بكر عاصم بن أبى النجود الكوفى رحمه الله. قرأ على أبى عبد الرحمن السلمى، وزر بن حبيش، وكانا من أصحاب عثمان، وعلى، وابن مسعود، وأبىّ بن كعب، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم على تفصيل في ذلك.
وجلس عاصم للإقراء بعد وفاة أبى عبد الرحمن. وروى عنه الحديث والقرآن قبل سنة مائة، وكانت قراءته عندهم جليلة خطيرة مختارة. وقال صالح بن أحمد بن حنبل: سألت أبى أىّ القراءات أحب إليك؟
قال: قراءة نافع. قلت: فإن لم توجد. قال: قراءة عاصم. وفى رواية أخرى: قال أهل الكوفة يختارون قراءته وأنا أختارها.
السادس: أبو عمارة حمزة بن حبيب الزيات رحمه الله، من رجال صحيح مسلم، وهو إمام أهل الكوفة بعد عاصم، قرأ عليه جماعة من أئمة أهل الكوفة وأثنوا عليه في زهده وورعه، منهم سفيان الثورى، وشريك ابن عبد الله، وشعيب بن حرب، وعلى بن صالح، وجرير بن عبد الحميد، ووكيع وغيرهم. ولم يوصف أحد من السبعة القراء بما وصف به حمزة من الزهد والتحرز عن أخذ الأجر على القرآن، حتى إن جرير ابن عبد الحميد قال: مربى حمزة الزيات في يوم شديد الحر، فعرضت عليه الماء ليشرب فأبى لأنى كنت أقرأ عليه القرآن.
السابع: أبو الحسن علىّ بن حمزة الكسائى إمام نحاة الكوفة عنه أخذ القراء وغيرهم، وانتهت إليه الرئاسة في القراءة بعد حمزة، وبلغ عند هارون الرشيد منزلة عظيمة: وكان الناس يأخذون عنه ألفاظه بقراءته عليهم، وينقطون مصاحفهم بقراءته. وقال الإمام الشافعى رضي الله عنه: من أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائى.
وقال إسماعيل بن جعفر المدنى، وهو من كبار أصحاب نافع: ما رأيت أقرأ لكتاب الله من الكسائى. ورؤى رحمه الله في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك، قال غفر لى، وفى رواية: رحمنى ربى بالقرآن، وفى رواية إلى ماذا صرت؟ قال: إلى الجنة، قيل له ما فعل حمزة الزيات، وسفيان الثورى؟ قال: فوقنا، ما نراهم إلا كالكوكب الدرى. وفى أخرى قال: غفر لي وأكرمنى، وجمع بينى وبين النبى محمد صلّى الله عليه وسلم فقال: ألست علىّ ابن حمزة الكسائى؟ فقلت نعم [1] ، فقال: اقرأ فقرأت:
{ (وَالصَّافََّاتِ صَفًّا) } حتى بلغت { (شِهََابٌ ثََاقِبٌ} [2] ) .
فقال لى: لأباهين بك الأمم يوم القيامة، فهؤلاء هم السبعة القراء الذين أطبق عليهم أهل الأداء.
(1) فقلت نعم: الصواب أن يقال بلى.
(2) سورة الصافات، آية: 1، آية: 10الصافات أيضا.