قال الشيخ رحمه الله: اعلم أن حقيقة ذلك في الواو والياء إخفاء، لا إدغام، وإنما يقولون له إدغام مجازا، وهو في الحقيقة إخفاء على مذهب من يبين الغنة، لأن ظهور الغنة يمنع تمحض الإدغام، لأنه لا بدّ من تشديد يسير فيهما، وهو قول الأكابر، قالوا: الإخفاء ما بقيت معه الغنة، وأما عد النون والميم، فهو إدغام محض لأن في كل واحد من المدغم والمدغم فيه غنة، وإذا ذهبت إحداهما بالإدغام بقيت الأخرى، وخلف أدغمهما عند الواو والياء بلا غنة، كما يفعل عند اللام والراء، فهو إدغام محض على قراءته، وقوله دونها أى دون الغنة
وفى اللغة: حذف الغنة وإبقاؤها جائز عند الحروف الستة، ويستثنى مما نسبه في هذا البيت إلى الكل، وإلى خلف ما سبق ذكره من نونى: يس، ون، والقلم.
288 [وعندهما للكل أظهر بكلمة ... مخافة إشباه المضاعف أثقلا]
أى وعند الواو والياء أظهر النون الساكنة إذا جاءت قبلهما في كلمة واحدة، نحو: صنوان، وقنوان، والدنيا، وبنيانه، لأنك لو أدغمت لأشبه ما أصله التضعيف، وهذا كاستثناء السوسى همزة:
{ (رِءْيًا} [1] ) .
يبدلها خوفا من أن يشبه لفظه لفظ الرىّ كما تقدم، ولم تلتق النون الساكنة في كلمة بلام ولا راء ولا ميم في القرآن العزيز، فلهذا لم يذكر من حروف يرملون غير الواو والياء، وأما النون إذا لقيها فيجب الإدغام للمثلية، وأما التنوين فلا مدخل له في وسط الكلمة ولا في أولها، وأثقلا حال من فاعل إشباه، وهو الذى فيه الكلام، وإشباه مصدر أشبه كإكرام مصدر أكرم، وأضيف إلى المفعول، وهو المضاعف، أى مخافة إشباه هذا الذى ذكرناه، وهو صنوان ونحوه في حال كونه ثقيلا، أى مدغما المضاعف، فالمضاعف هو المفعول، أضيف إليه المصدر نحو عجبت من إكرام زيد، أى من إكرام عمرو له، والمضاعف: هو الذى في جميع تصرفاته يكون أحد حروفه الأصول مكررا، نحو حيان، وحتان ورمان والله أعلم.
289 [وعند حروف الحلق للكل أظهرا ... (أ) لا (هـ) اج (ح) كم (ع) مّ (خ) اليه (غ) فّلا]
يعنى أظهر التنوين والنون الساكنة لكل القراء إذا كان بعدهما أحد حروف الحلق لبعدهما منها، سواء كان ذلك في كلمة أو كلمتين: ثم بين حروف الحلق بأوائل هذه الكلمات، من ألا إلى آخر البيت، وحروف الحلق سبعة، ذكر منها ستة وبقى واحد، وهو الألف، وإنما لم يذكرها لأنها لا تأتى أول كلمة ولا بعد ساكن أصلا. لأنها لا تكون إلا ساكنة، فمثالهما عند الهمزة:
{ (كُلٌّ آمَنَ} {وَيَنْأَوْنَ} {مَنْ أَسْلَمَ) }
ولا توجد نون ساكنة قبل همزة في القرآن في كلمة غير ينأون، ومثالهما عند الهاء:
{ (جُرُفٍ هََارٍ} {مِنْهََا} {مَنْ هََاجَرَ إِلَيْهِمْ) } .
ومثالهما عند الحاء:
{ (نََارٌ حََامِيَةٌ} {وَانْحَرْ} {مَنْ حَادَّ اللََّهَ} . وعند العين {حَقِيقٌ عَلى ََ} {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [2] ) . من عمل وعند الخاء {يَوْمَئِذٍ خََاشِعَةٌ} {وَالْمُنْخَنِقَةُ} و {مَنْ خََافَ} . و {فَإِنْ خِفْتُمْ} و {مِنْ خِزْيِ} وعند الغين {مِنْ مََاءٍ غَيْرِ آسِنٍ} {فَسَيُنْغِضُونَ} {مِنْ غِلٍّ)} .
وقوله: خاليه، أى ماضيه، وغفلا جمع غافل، وكأنه أشار بهذا الكلام إلى الموت أو إلى البعث، ومجازاة كل بعمله، فهذا حكم عظيم عم الغافلين عنه، كقوله:
(1) سورة مريم، آية: 74.
(2) سورة الفاتحة، آية: 6.