فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 791

ولما أدخل أحد الحرفين في الآخر على سبيل التقريب ونبا اللسان عنهما نبوة واحدة سمى إدغاما. وقيل أصل الكلمة من الخفاء، ومنه الأدغم من الخيل: وهو الذى خفى سواده، فالحرف المدغم يخفى ولا يتبين، يقال: أدغم وادّغم بوزن أفعل وافتعل، وإنما فعلت العرب ذلك طلبا للخفة لما ثقل التقاء الحرفين المتجانسين والمتقاربين على ألسنتهم، ويكون في بعض المواضع واجبا، وفى بعضها جائزا، وفى بعضها ممتنعا على تفصيل معروف عند علماء العربية.

وأما الإدغام في مذاهب القراء فينقسم إلى صغير وكبير: فالصغير ما اختلف في إدغامه من الحروف السواكن، ولا يكون إلا في المتقاربين، وهو الذى يأتى ذكره بعد وقف حمزة وهشام على الهمز إلى أوّل باب الإمالة، وهو في تسعة أحرف يجمعها قولك: ذل ثرب دفنت، وكل المصنفين في علم القراءات يذكرونه.

وأما الإدغام الكبير فحذفه جماعة من المصنفين كصاحب العنوان ومكى والمهدوى، ومنهم من فرشه على ترتيب السور، وهو يكون في المثلين والمتقاربين من الحروف المتحركة، وسمى بالكبير لتأثيره في إسكان المتحرك قبل إدغامه، ولشموله نوعى المثلين والمتقاربين. ومن شواهد الإدغام الكبير في شعر العرب قول عدى بن زيد:

وتذكّر رّبّ الخورنق إذ ... فكّر يوما وللهدى تفكير

فقوله تذكر فعل ماض ورب فاعله. وقال آخر:

عشيّة تّمنّى أن تكون حمامة ... بمكّة يؤويك السّتار المحرّم

116 [ودونك الادغام الكبير وقطبه ... أبو عمرو البصرىّ فيه تحفّلا]

دونك هنا من ألفاظ الإغراء، يقال دونك كذا: أى خذه، والإدغام مفعول به، وقطب كل شيء:

ملاكه، وهو ما يقوم به، وقطب القوم: سيدهم الذى يدور عليه أمرهم، والواو في وقطبه للحال أو للاستئناف، وقطبه مبتدأ وأبو عمرو خبره، ثم استأنف جملة أخرى فقال فيه تحفلا: أى في أبى عمرو اجتمع الإدغام، يقال تحفل المجلس، وتحفل اللبن في الضرع، وتحفل الوادى: إذا امتلأ بالماء. ويجوز أن يكون أبو عمرو عطف بيان والخبر فيه تحفلا، على أن تكون الهاء في فيه للإدغام، وفاعل تحفل ضمير عائد على أبى عمرو:

أى تحفل أبو عمرو في أمر الإدغام من جميع حروفه ونقله والاحتجاج له والقراءة به، يقال: احتفلت لكذا أو بكذا أو في كذا، وتحفل بمعناه مثل اكتسب وتكسب، أراد بذلك أن مدار الإدغام على أبى عمرو، فمنه أخذ وإليه أسند وعنه اشتهر من بين القراء السبعة، والإظهار والإدغام كلاهما مروى عن اليزيدى عن أبى عمرو من طريق الدورى والسوسى وغيرهما، ولم أر بعد في كتاب تخصيص رواية السوسى بذلك عن الدورى [1] وقد كان الشيخ الشاطبى رحمه الله يقرئ به من طريق السوسى، ولم يوافق أبا عمرو في المشهور على شيء من الإدغام الكبير سوى حمزة في إدغام { (بَيَّتَ طََائِفَةٌ) } .

(1) وعلى ذلك عمل أهل الأداء الآن اهـ ضياع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت