ثم رجع إلى دمشق فعُين أستاذًا معاونًا في مكتب عنبر الذي صار يدعى مدرسة التجهيز، وهي الثانوية الرسمية حينئذ بالشام، ولكنه لم يكف عن شغبه ومواقفه التي تسبب له المتاعب، وكان واحد من هذه المواقف في احتفال أقيم بذكرى المولد، فما لبث أن جاء الأمر بنقله إلى دير الزور. وهكذا صار معلِّمًا في الدير سنة 1940م.
وألقى هناك خطبة جمعة حماسية ثار الناس بعدها غاضبين على الاستعمار الفرنسي، ولم يستطع الجنود الفرنسيون اعتقاله، ولكن لم يسمح له بالعودة إلى التدريس في دير الزور ثانية [18] ( http://www.alukah.net/Articles/Article.aspx?ArticleID=1797#_ftn18) .
في القضاء:
انتهى الأمر بجدي في إجازة قسرية بعد حوادث دير الزور أواخر سنة 1940م. لقد أرادوا له أمرًا، وأراد الله له أمرًا، وكان الخير فيما اختاره له الله، فلقد هيأت له هذه الحادثة ترك التعليم والدخول في سلك القضاء، دخله ليمضي فيه ربع قرن [19] ( http://www.alukah.net/Articles/Article.aspx?ArticleID=1797#_ftn19) كاملًا، خمسة وعشرين عامًا من أخصب أعوام حياته. خرج من الباب الضيق للحياة ممَثَّلًا في التعليم بمدرسة ابتدائية في قرية، ودخلها من أوسع أبوابها قاضيًا في النبك ثم في دوما من قرى دمشق، ثم قاضيًا ممتازًا في دمشق، فمستشارًا لمحكمة النقض في الشام ثم مستشارًا لمحكمة النقض في القاهرة أيام الوَحدة مع مصر.
هذه المرة أيضًا ظهر نبوغ علي الطنطاوي وبان تميزه. لقد أراد - أبدًا - أن يكون متقنًا لعمله مجيدًا له مخلصًا فيه، وما كان ليقبل أن يستغفله أو يستغله أحد، فلما نجح في امتحان القضاء وعُيِّن قاضيًا في النبك - وهي بلدة في جبال القلمون - لم يسارع إلى استلام العمل، بل طلب من الوزارة أن تمهله شهرًا، حتى يعرف المعاملات كلها: من عقد النكاح، وحصر الإرث، وتنظيم الوصية، إلى الحكم في قضايا الإرث والوقف والزواج" [20] ( http://www.alukah.net/Articles/Article.aspx?ArticleID=1797#_ftn20) ."
وبعد هذا الاستعداد وفَّقه الله فكان ابتداء عمله بالقضاء خير ابتداء، فقد قابلته في محكمة النبك قضية ضخمة جدًا، إضبارتها تعدل في عدد صفحاتها - كما قال - جزأين من القاموس المحيط، لا جزءًا واحدًا، وكان كبار المحامين يأتون من دمشق للنظر فيها، فنظر فيها فبدا له أمر لم يكن أحد قد انتبه له، فإذا القرار. انتهت المحاكمة، ونظر إليهم فإذا هم مثل الذي يصحو من حلُم عجيب، وقد تنبهوا إلى أنهم كانوا يسيرون في طريق لا يوصل، ويضحكون من أنفسهم، ويهنئونه على هذا القرار. وذهبوا فحدثوا به في الأوساط القضائية في الشام، فكان - والحمد لله - خير ابتداء لعمله في القضاء" [21] ( http://www.alukah.net/Articles/Article.aspx?ArticleID=1797#_ftn21) ."
أمضى جدي في النبك قاضيًا نحو أحد عشر شهرًا، ثم كانت تنقلات في وزارة العدل بين القضاة فنقل قاضيًا إلى دوما، وهي قرية من القرى المحيطة بدمشق، وكانت محكمة دوما هي الطريق إلى محكمة دمشق، فمن ولي قضاءها انتقل منها فصار قاضيا في المحكمة الكبرى في دمشق. قال:"وقد انتُدبت أول الأمر أيامًا معدودة إلى محكمة دمشق فكان انتدابي إليها وعملي الرسمي في دوما، ثم صرت قاضيًا رسميًا في دمشق، ثم القاضي الأول في المحكمة، الذي كانوا يدعونه القاضي الممتاز" [22] ( http://www.alukah.net/Articles/Article.aspx?ArticleID=1797#_ftn22) .
لقد صار قاضي دمشق الممتاز، فماذا صنع في هذا الموقع الذي شغله عشر سنين كاملات، من سنة 1943م إلى سنة 1953م حين نقل مستشارًا لمحكمة النقض، لقد أحس بالمسؤولية الجسيمة التي ألقيت عليه حين صار إليه أمر المحكمة الشرعية، فلبث ليالي أرِقًا يفكر ماذا يصنع حتى اهتدى إلى فكرة عجيبة انتظم بها أمر المحكمة [23] ( http://www.alukah.net/Articles/Article.aspx?ArticleID=1797#_ftn23) ، وانقطع بها ما كان من علل التسويف على العامة أو المحاباة للخاصة.
أما تفصيل سيرته، وما عمِلَه في محكمة دمشق فله حديث طويل، فانظروه في آخر الجزء الرابع من الذكريات المنشورة.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)