وَهَا هُوَ القُرْآنُ يَتَأَنَّقُ فِي اخْتِيَارِ الأَلْفَاظِ ، وَيَسْتَخْدِمُ كُلاًّ حَيْثُ يُؤَدِّي مَعْنَاهُ فيِ دِقَّةٍ فَائِقَةٍ تَكَادُ تُؤْمِنُ مَعَهَا بِأَنَّ هَذَا المكَانَ، إِنَّمَا خُلِقَتْ لَهُ هَذِهِ اللَّفْظَةُ دُونَ سِوَاهَا، وَلِذَلِكَ لاَ تَجِدُ فِي القُرْآنِ تَرَادُفًا بَلْ كُلّ كَلِمَةٍ تَحْمِلُ إِلَيْكَ مَعْنًى جَدِيدًا؛ فَالأَلْفَاظُ فِيهِ قَوِيَّةٌ عَنِيفَةٌ فِي مقَامِ التَّهْدِيدِ وَالوَعِيدِ, رَقِيقَةٌ عَذْبَةٌ فِي مَجَالِ التَّرْغِيبِ وَالتَّهْذِيبِ، وَهَادِئَةٌ حَسَنَةٌ فِي مقَامِ التَّشْرِيعِ وَالتَّفْرِيعِ، وَذَلِكَ سِرُّ الجَمَالِ فِي هَذَيْنِ الموْضِعَيْنِ وَمِنْ ذَلِكَ -أَيْضًا- كَلِمَةُ (تُؤْذِي) فَقَدْ عَابُوهَا فِي قَوْلِ المتَنَبِّي، وَهُوَ الشَّاعِرُ الملْهَمُ الَّذِي كَانَ يَقُولُ شِعْرًا وَهُوَ يَطِيرُ، قَالَ عنَهْ ُالشَّوْكَانِيّ: الشُّعَرَاءُ يَمْشُونَ وَالمتَنَبِّي يَطِيرُ، فَهَا هُوَ يَقُولُ:
تَلُذُّ لَهُ المُرُوءَةُ وَهِيَ تُؤْذِي
وَمَنْ يَعْشَقْ يَلُذُّ لَهُ الغَرَامُ
وَالسَّبَبُ أَنَّ الشَّاعِرَ قَطَعَ الكَلِمَةَ -وَهِيَ ثَقِيلَةٌ- عَنِ الإِضَافَةِ عَلَى العَكْسِ مِنْ كَلِمَةِ (تُؤْذِي) فِي القُرْآنِ؛ فَإِنَّ عَيْبَهَا -عِنْدَ المتَنَبِّي- جَاءَ مِنْ عَدَمِ إِضَافَتِهَا؛ وَلَوْ أَضَافَهَا لَخَفَّفَ مِنْ ثِقَلِهَا، وَقَدْ جَاءَتْ فِي القُرْآنِ فِي مَوَاضِعَ هِيَ فِيهَا حَسَنَةٌ رَائِقَةٌ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا} [الأحزاب53] لِذَلِكَ كَانَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ -هُنَا- أَجْمَلَ مِنْهَا فِي بَيْتِ المتَنَبِّي، وَالحَكَمُ فِي ذَلِكَ للأُذُنِ الموسِيقِيَّةِ، فَالقُرْآنُ كَمَا تَرَى اسْتَعْمَلَ الكَلِمَةَ وَاقِعَةً عَلَى مَفْعُولِ (النَّبِيِّ) فَخَفَّتْ وَرَشَقَتْ؛ وَهِيَ فِي قَوْلِ المتَنَبِّي مَقْطُوعَةٌ عَنِ الإِضَافَةِ.
ـ [زكرياء توناني] ــــــــ [08 - 12 - 06, 02:53 م] ـ
يعني أن هذا الكتاب من تألفيكم؟؟؟ فإني كنت سأسألكم عن مؤلف الكتاب؟
ـ [أبو الفرج المنصوري] ــــــــ [08 - 12 - 06, 02:56 م] ـ
مِنَ الفَوَائِدِ اللُّغَوِيَّةِ
1 -قَدْ تُزَادُ الوَاوُ بَعدَ (إلاَّ) ؛ لتَأكيد الحُكْمِ المطلُوبِ إثبَاتُهُ، نَحو: (مَا مِنْ أحَدٍ إلاَّ وَلَهُ طَمَعٌ وحَسَدٌ) .
2 -خَمْسَةُ أشيَاءَ بِمَنْزِلةِ شَيءٍ وَاحدٍ؛ وَهِي: الموصُولُ مَعَ صلَته، والفعلُ والفَاعلُ، والجَارُّ والمجرُورُ، والمضَافُ والمضَافُ إليه، والصِّفةُ والموصُوفُ.
3 -الظَّرْفُ والجَارُّ والمجرُورُ يُعْتَبَرانِ شِبْهَ جُملَةٍ فَإنْ قَدَّرْتَ مُتَعلَّقَهُما فعلًا؛ فَهِي فِعليَّةٌ، وإلا فَهِيَ اسميَّة؛ نَحو: (القَاهِرَةُ بَينَ النِّيلِ وسَفْحِ المقَطِّمِ) ، والتَّقدير: تَقَع أوْ وَاقِعَةُ.
4 -قَد يُذكَّرُ المؤنَّثُ عَلَى تَأويله بِمُذَكَّر؛ نَحو: {إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف56] أي: إحسَانُهُ، وَكَذَلكَ يُؤنَّثُ المذَكَّرُ؛ نَحو: {الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون11] فقد حُمِلَ (الْفِرْدَوْس) وَهُوَ مُذَكَّرٌ عَلَى مَعنَى (الجنَّة) .
5 -مَا كَانَ عَلَى وَزن (فَعَالى) فَهُوَ بالضَّم والفَتح، نَحو: (سُكَارىَ وأسَارَىَ نُصَارَىَ أو سَكَارَى وأَسَارَى ونَصَارَى) .
6 -فَعِيلٌ يُطْلَقُ عَلَى الجَمْعِ؛ نَحو: {وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم4]
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)