وَلَمْ يَكْتَفِ القُرْآنُ بِإِثْبَاتِ أُمِّيَّةِ النَّبِيِّ بَلْ أتْبَعَ ذَلِكَ تَسْجِيلَ أُمِّيَّةِ قَوْمِهِ - وَهُمُ الوَسَطُ المُحِيطُ بِهِ المخَالِطُ لَهُ؛ حَتَّى لاَ يُقَالَ أَنَّهُ اسْتَقَى مَعْلُومَاتِهِ مِنْهُم مُشَافَهَةً ثُمَّ رَاحَ يَصُوغُهَا بِعَبْقَرِيَّتِهِ الخَاصَّةِ وَأُسْلُوبِهِ الفَرِيدِ، قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [الجمعة 2]
وَعَلَى هَذَا الأَسَاسِ يُمْكِنُ فَهْمُ حِكْمَةِ اللهِ الَّتِي أَرَادَتْ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَكُونَ أُمِّيا مِنْ قَوْمٍ أُمِّييِّن، فَالعَرَبُ تَلاعَبُوا بِالكَلِمَةِ فَمِنْهُم مَنْ كَتَبَ الشِّعْرَ فَتَسْتَطِيعُ قِرَاءَتَهُ مِنَ اليَمِينِ إلَى اليَسَار كَمَا يُقرَأ مِنَ اليَسَار إلَى اليَمين كَمَا هُوَ دُونَ أَنْ يَتَغَيَّرَ، كَقَوْلِ أَحَدِهِمْ:
مَوَدَّتُهُ تَدومُ لِكُلِّ هَوْلٍ
وَهَلْ كلٌّ مَوَدَّتُهُ تَدُومُ؟
وَمِنْهُمْ مَنْ نَظَمَ الشِّعْرَ فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَقْرَأَهُ أُفُقِيًّا كَمَا تَقْرَؤُهُ رَأْسِيًّا كَقَوْلِ أَحَدِهِمْ:
ألُومُ صَدِيقِي
صَدِيقِي أُحِبُّهُ
وَهَذَا كَلاَمٌ
مُحَالٌ يُقَالُ
وَهَذَا مُحَالٌ
كَلاَمٌ يُقَالُ
بَلِيغُ الجَمَالِ
الجَمَالُ خَيَالٌ
وَمَعَ ذَلِكَ تَجِدُ أَعْظَمَ الشُّعَرَاءِ مِنْهُم مَنْ يَقَعُ أَحْيَانًا فِي لَفْظٍ أَوْ لَفْظَيْنِ فَيَكُونُ مَعِيبًا عَلَيْهِ، وَمِنْ هَؤُلاَءِ الشُّعَرَاءِ حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ حَيْثُ عَابَ النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيّ قَوْلَهُ:
لَنَا الجَفَنَاتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ بِالضُّحَى
وَلَدْنَا بَنِي العَنْقَاءِ وَابْنَي مُحَرَّقٍ
وَأَسْيَافُنَا يَقْطُرْنَ مِنْ نَجْدَةٍ دَمًا
فَأَكْرِمْ بِنَا خَالًا وَاكْرِمْ بِنَا ابْنَمًا
قَالَ النَّابِغَةُ لِحَسَّانَ: إِنَّكَ لَشَاعِرٌ لَوْلاَ أَنَّكَ قَلَّلْتَ جِفَانَكَ، وَفَخَرْتَ بِمَنْ وَلَدْتَ؛ وَلَمْ تَفْخَرْ بِمَنْ وَلَدَكَ، وَقُلْتَ: يَلْمَعْنَ فِي الضُّحَى، وَلَوْ قُلْتَ: يَبْرُقْنَ فِي الدُّجَى لَكَانَ أَبْلَغَ فِي المدِيحِ؛ لأَنَّ الضَّيْفَ بِالليْلِ أَكْثَرَ طرُوقًا، وَقُلْتَ: يَقْطُرْنَ مِنْ نَجْدَةٍ دَمًا، وَلَوْ قُلْتَ: يَجْرِينَ لَكَانَ أَكْثَرَ لانْصِبَابِ الدَّمِ، وَهَا هُوَ النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيُّ وَهُوَ مَنْ هُوَ فِي تَحَاكُمِ الشُّعَرَاءِ إِلَيْهِ هَذَا البَيْتَ بِلَحْنِهِ:
فَبِتُّ كَأَنّي ساوَرَتني ضَئيلَةٌ
مِنَ الرُقشِ في أَنيابِها السُمُّ ناقِعُ
قَالَ النُّحَاةُ كَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ: نَاقِعًا لاَ نَاقِعٌ؛ فَإِنَّ النَّكِرَةَ لاَ تَصِفُ المعْرِفَةَ.
وَهَا هُوَ طرفَةُ بنُ العَبْدِ يَقُولُ:
يا لَكِ مِن قُبَّرَةٍ بِمَعمَرِ
قَد رُفِعَ الفَخُّ فَماذا تَحذَري
قَد ذَهَبَ الصَيّادُ عَنكِ فَاِبشِري
خَلا لَكِ الجَوَّ فَبيضي وَاِصفِري
وَنَقِّري ما شِئتِ أَن تُنَقَّري
لا بُدَّ يَومًا أَن تُصادي فَاِصبِري
وَكَانَ الأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: تَحْذَرِينَ، لأَنَّهُ لَمْ يُسْبَقْ بِنَاصِبٍ أَوْ جَازِمٍ.
أمَّا المتَنَبِّي فَلَمْ يَفْلِتْ مِنَ اللَّحْنِ هُوَ الآخَرُ، فَقَالَ فِي وَصْفِ أَبِي تَمَّامٍ:
إِذا كانَ بَعضُ الناسِ سَيفًا لِدَولَةٍ
فَفي الناسِ بوقاتٌ لَها وَطُبولُ
وَكَانَ الأَوْلَى بِهِ أَنْ يَقُولَ: أَبْوَاقٌ.
وَكَانَ لِلْعَرَبِ أَسْوَاقُهُمُ الأَدَبِيَّةُ المعْرُوفَةُ (عُكاظ وَذُو المجَاز وذُو المجَنّة) أَمَّا فِي عَصْرِنَا الحَدِيثِ فَقَدْ حَلَّ مَحَلَّهَا المعَارِضُ الأَدَبِيَّةُ الَّتِي تُقَامُ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً فِي العَصْرِ الحَدِيثِ.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)