ـ [أبو الفرج المنصوري] ــــــــ [08 - 12 - 06, 02:53 م] ـ
مِنْ لَطَائفِ القُرْآن ... وَبَلاَغَةِ العَرَبِ
لَطَائفُ القُرآنِ اللُّغَويَّة مُتَعَدِّدَةٌ، فَهُوَ كِتَابٌ لا تَنتَهِي عَجَائبُهُ، نَذكُرُ منهَا -عَلَى سَبيل المثَال لا الحَصر- قَولَ الله عَزَّوَجَلَّ: {فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ} [المؤمنون19 - 20] نَجدُ أنَّ الجُملَة: {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} مَعطُوفَةً عَلَى مَا قَبلهَا؛ لأنَّ أهلَ الدُّنيَا مُنشَغلون بالأكل وَالبَيع وَالادِّخَار َوعَمَل العَصَائر؛ لذَلكَ عُطِفَتْ عَلَى مَا قَبلَهَا. أمَّا الآيَة فَتَقُولُ: {لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ} [الزخرف73] فَهِي خَاصَّةٌ بأهل الجَنَّة يَأكُلُونَ فَقَط، فَهُمْ غَيرُ مُنشَغلينَ بأشيَاء أخرَى كَالادِّخَار وَالبَيع ... إلخ؛ لذَلكَ فَهِي لَمْ تُعْطَفْ.
وَنُلاحظُ فِي الآيَة: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت30] نَجدُ أنَّ الفعلَ"تَتَنَزَّل"مَسبُوقٌ بتَاءِ المضَارَعَة؛ لأنَّهُ فِي كُلِّ لحَظَة يَمُوتُ شَخصٌ مُؤمنٌ عَلَى المستَوَى العَامِّ عَلَى كَوكَبنَا الأرض، فَالمَلائكَةُ دَائمَةُ النُّزُول أمَّا فِي الآيَة: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ} [القدر4] نَجِدُ أنَّ الفعلَ"تَنَزَّل"بدُون تَاء مُضَارَعَة فِي أوَّلِهِ كَمَا فِي الآيَة السَّابقَة؛ لأنَّ المَلائكَةَ وَالرُّوحَ تَنَزَّل فَي وَقتٍ مُقتَطَع مَحدُودٍ، وَهِي لَيلَةٌ وَاحِدَةٌ فِي العَامِ كُلِّهِ (لَيلَة القَدر) ، وَهُنَاكَ قَاعِدَةٌ بَلاغيَّةٌ تَقُولُ: إنَّ الزِّيَادَةَ فِي المبنَى"عَدَد حُروف الكَلِمَة"زِيَادَةٌ فِي المعنَى.
أيضًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} [آل عمران13] نَجِدُ أنَّ الفعلَ (تَفَرَّقُوا) بدُون تَاء المضَارَعَة فِي أوَّلِهِ؛ لأنَّ الخطابَ لأمَّة النَّبىِّ مُحَمَّد s فَقَط.
أمَّا الآيَة: {وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} [الشورى13] نَجِدُ أنَّ الفعلَ (تَتَفَرَّقُوا) يُخَاطِبُ أمَّةَ الإسلام مِن لَدُنْ آدَمَ حَتَّى قيَام السَّاعَة، فَالخطَاُب عَامٌّ للأمَمِ الإسلاميَّة المتَتَابِعَة عَلَى مَرِّ التَّاريخ وَلَيسَ لأمَّة النَّبيِّ مُحَمَّد S، فَنَجدُ أنَّ زِيَادَةَ التَّاءِ فِي أوَّلِهِ أتَتْ مُنَاسِبَةً لِطُولِ الزَّمَنِ، فَزِيَادَةُ المبنَى زِيَادةٌ فِي المعنَى.
وَلِكَيِّ يَقْطَعَ القُرْآنُ كُلَّ شُبْهَةٍ يُمْكِنُ أَنْ يَتَذَرَّعَ بِهَا المبْطِلُونَ فِي اسْتِقَاءِ هَذِهِ الأَنْبَاءِ مِنْ مَصَادِرَ سَابِقَةٍ, سَجَّلَ أُمِّيَّةَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ فَقَالَ: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت 48] وَلَقَدْ زَكَّى اللهُ مُعَلِّمَهُ جِبْرِيلَ (عَلَيْهِ السَّلامُ) وَتِلْكُمُ مَنْقَبَةٌ لِلنَّبِيِّ؛ أَنْ يُعَلِّمَهُ خَيْرُ مَلَكٍ، فَقَالَ: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى} [النجم5 - 6] فَكَانَ خَيْرَ مُعَلِّمٍ لِخَيْرِ نَبِيٍّ؛ فَلَيْسَ النَّبِيُّ كَاتِبًا وَلاَ قَارِئًا وَإِذَا ثَبتَ لَهُ ذَلِكَ اسْتَحَالَ فِي حَقِّهِ أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَلْهَمَ تِلْكَ الأَخْبَارَ وَالمعَارِفَ مِنْ سِجِلاَّتِ الغَابِرِينَ لَوْ وُجِدَتْ، وَثَبتَ أَنَّ مُرْشِدَهُ الوَحِيدَ هُوَ القُرْآنُ الكَرِيمُ،
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)