ثم يختم الرسالة بقوله: (كتبه عبدك المستمسك بعروتك الوثقى اللائذ بحرمك الأمنع الأوقى المتأخر جسمًا المتقدم فلان"مخاطبًا الله"والسلام عليك يا رسول تسليمًا كثيرًا ورحمة الله وبركاته(1 ) )
فالرسالة تصور ذلك الجو النفسي القلق الذي كان يسود الأندلس حينما ألحت عليها المحن وأصبح مصيرها معلقًا بخيط واهن يوشك أن ينبت
(1) : نفح الطيب 7/ 424
2ـ النموذج الثاني:
لسان الدين الخطيب:
الذي يقول فيها: (إلى رسول الحق إلى كافة الخلق وغمام الرحمة الصادق البرق الحائز في ميدان اصطفاء الرحمن قصب السبق خاتم الأنبياء وأمام ملائكة السماء ومن وجبت له النبوة وآدم بين الطين والماء شفيع أرباب الذنوب وطيب أدواء القلوب والوسيلة إلى علّام الغيوب نبي الهدى )
ثم قال: (كتبت إليك يا رسول الله والدمع ماح وخيل الوجد ذات جماح عند الشوق الشوق يزداد كلما نقص الصبر(1 ) )
في هذه الرسالة بسط فيها لسان الدين أحوال الأندلس ويتحدث في تفصيل عن آخر ما وقع بها من أحداث ويعتذر للرسول عليه السلام بأن تلك الأهوال التي تعانيها بلاده هي التي تمنع أن تشد إلى قبره الرحال.
ونلاحظ في الرسالة الصنعة الأدبية واللغوية حيث يختار العبارات المؤثرة والإيقاع القوي لعله يصل به إلى مراده وألفاظها مختارة ومؤنقة.
(1) : نفح الطيب 6/ 353 , صبح الأعشى 6/ 461
2ـ المدائح النبوية:
لقد كان الإنتاج النثري للمؤلفين الأندلسيين في المناقب النبوية على أعظم جانب من الجودة والوفرة فإن إنتاجهم الشعري لم يقصر عن ذلك.
ولعل أول من استوقفتهم شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم هو الأديب المؤلف عبد الملك بن حبيب الألبيري الذي مر معنا وقد علمنا أنه أول مؤلف اختص بالسيرة النبوية بالكتابة.
ولابن حبيب هذا قصيدة جميلة وصف بها مشاعره وهو واقف على على المشاهد النبوية أثناء رحلته للحج فيقول: (البحر: الكامل)
لله در عصابة صاحبتها نحو المدينة تقطع الفلوات
حتى أتينا القبر قبر محمد خص الإله محمدًا بصلاة
خير البرية والنبي المصطفى هادي الورى لطرائق الحسنات
لما وقفت بقربه لسلامه جادت دموعي واكف بالعبرات
ورأيت حجرته وموضعه الذي قد كان يدعو فيه للخلوات
سقيًا لتلك معاهدًا شاهدتها وشهدتها بالخطو واللحظات
وبطيبة طابوا ونالوا رحمة مقنى الكتاب ومحكم الآيات
وبقبر حمزة والصحابة حوله فاضت دموع العين منهمرات
صلى الإله على النبي المصطفى هادي البرية كاشف الغمرات
وعلى ضجيعيه السلام مرددًا ما لاح نور الحق في الظلمات (1)
فنلاحظ في هذه الأبيات العاطفة الجياشة التي ملأت قلبه حتى جعلت العبرات دائمًا تسكب والدموع منهمرة وكيف أنه استعمل الألفاظ الملائمة المناسبة لهذا الموقف وهذا وإن دل فإنه يدل على قدرة وثقافة هذا الشاعر
(1) : نفح الطيب 1/ 46
وهذا الرعيني الغرناطي (1) يقول وهو يسكب العبرات في روضة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
هذه روضة الرسول فدعني أبذل الدمع في الصعيد السعيد
لا تلمني على انسكاب دموعي إنما صنتها لهذا الصعيد (2)
وممن عني بالمديح النبوي لسان الدين الخطيب حيث بلغت عدد مدائحه النبوية اثنتا عشرة قصيدة (3) حيث يقول:
وأنت ملاذ الخلق حيًا وميتًا وأكرمهم ذاتًا وأعظمهم مجدًا
فلولاك ما بان الضلال من الهدى ولا امتاز في الأرض المكبّ من الأهدى
فقد مدح النبي عليه السلام بأنه ملاذ الخلق وأكرمهم وأعظمهم في حياته وبعدها ولولاه لما استبان الضلال من الهدى.
(1) : شهاب الدين أبو جعفر أحمد بن يوسف بن مالك الرعيني الأندلسي (تذكرة الحفاظ 1/ 142) .
(2) : نفح الطيب 1/ 57
(3) : كلها مذكورة في ديوانه وهو ديوان (الصيب والجهام والماضي واللهام) تحقيق محمد الشريف قاهر , الجزائر 1973م.
(4) : ديوان الصب , ص 479.
وللشعر الأندلسي في هذه المدائح مسيرة طويلة على طول القرون الثمانية التي كان خلالها ممتدًا على أرض الأندلس ولا يتسع هذا المقام أن نتتبع جميع النتاج في المدح النبوي ولكن نشير إلى بعضها غير التي ذكرنا آنفًا.
فهناك قصيدة نظمها الأديب الأندلسي ابن المناصف القرطبي (1) في / 700 / بيتًا من الرجز بعنوان"الدرة السنية في المعالم السنية"
وقد جمع أحد أدباء المغرب المتأخرين وهو الحسن بن عبد الرحمن بن عذرة الأنصاري (2) كتابًا ضخمًا في المدائح النبوية في أكثر من خمسة وعشرين مجلدًا بعنوان:"منتهى السول في مدح الرسول"
وهناك ديوان للمديح للشاعر الأندلسي محمد بن جابر الهواري الوادي (3) وهو بعنوان"العقدين في مدح سيد الكونين (4) "وله قصيدة معارضة لقصيدة البردة حيث توخى فيها أن يشمل كل بيت لونًا من ألوان البديع وقد انتشرت هذه القصيدة انتشارًا كبيرًا وكانت موضعًا لشروح وتعليقات كثيرة.
(1) : محمد بن عيسى بن أصبغ توفي سنة 620 هـ
(2) : مجلة الهلال ص 109
(3) : نفح الطيب محمد بن جابر الهواري الكفيف له شرح على الألفية يكنى أبا عبد الله توفي 780 هـ.
(4) : يوجد في نسخة في المكتبة التيمورية انظر (مجلة الهلال ص 109) وهو مرتب على حروف المعجم (نفح الطيب 7/ 459) .
الخاتمة:
وبعد رحلة عجالة وسريعة في دراسة السيرة النبوية في الأدب الأندلسي يتبين فيه أن الأندلسيين كانت لهم عناية فائقة بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف أنهم وضعوها في إطار أدبي سواء النثر أم الشعر المتجسد في فن الرسائل والمديح النبوي الشريف.
كما ويدل أيضًا على ثقافتهم الواسعة والعلمية المتبحرة فلم يتركوا شيئًا إلا وقد بحثوا فيه.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)