يؤخذ عليه بالمقابل بعض الغلو في مسائل التصوف الى درجة غريبة ليس لها قاعدة او أصل من الشريعة يصح, ولهذا حسن الاختيار وحسن الانتقاء في هذا الباب لابد من العناية به فالمقصود هو جملة المعنى اما تطبيقه عند فلان وفلان عند آحاد العلماء فهذا منهج يبتغي فيه طالب العلم ما كان صحيحا مناسبا.
لكنك تجد بعض المقعدين كالغزالي فيما يتعلق بالمدرك العقلي رسم كتابه الذي سماه معيار العلم وهو في المنطق كما هو معروف وتكلم في مسائل النفس واثر ما تحصل به تصفية النفس ذكر هذا في كلام كثير له في إحياء علوم الدين وفي غيره.
جملة العناية صحيحة طالب العلم ينبغي عليه أن يعنى بميزان العلم ماهو وبتصفية النفس وتصحيح ما فيها هذا منهج موجود في القران اما تفصيل ما ذكر الغزالي في معيار العلم او تفصيل ما ذكره في الاحياء في مسائل النفس او في الكتب الاشراقية التي استطال فيها الى طريقة الخاصة كما يسميهم من الصوفية هذا مقام فيه ماهو مقبول وفيه ما هو مردود كما تعرفون لكن ما نتكلم ليس على آحاد من الرجال او العلماء ولكن نتكلم عن القاعدة التي ينبغي لطالب العلم يكون على حسن تأتي لتحصيلها في حق نفسه فيكون فقهه فقها صحيحا ويكون على درجة من الانضباط والادراك وحسن السياسة الفقهية للامور بحيث لا تكون مداركه العقلية تقع في الوهم ويظنه علما او يظن الظني قطعيا وحقيقته انه ظني وليس بقطعي , فهذا التداخل ياتي من أسباب , من نقص العلم الشرعي , او نقص المدرك او المحل الذي ينظر فيه من الشريعة , ولهذا تجد الان أن بعض الناظرين ربما يسمون بعض المسائل ويجعلونها قطعية وحقيقتها انها ظنية بل ربما لا تكون قطعية ولا ظنية وإنما لا أصل لها في الشرع ولو تأملت بعض الاصول التي سمتها بعض المدارس وجعلتها أصلا في الدين وحقيقتها عند السابقين والصحابة وفي منهج القران انها ليست من أصول الدين أصلا بل قد يكون ما هو من أصول الدين على خلاف ذالك المعنى الذي ذكر , ولذالك تجد بعض الطوائف التي خرجت عن منهج أهل السنة والجماعة ربما تسمي في أصولها مالا يكون أصلا عند التحقيق , بل هذا موجود ولا يكون التحقيق إلا بمن كان فقيها في الشريعة وفقيها في تحصيل مداركها , لان هذا الكتاب وهذه الشريعة جاءت متفقة وليست مختلفة حقائقها متسلسلة في أصول الدين وفي فروع الدين ولهذا قال الله جل وعلا , {أفلا يتدبرون القران ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} .
ففقه التسلسل في أحكام الشريعة وتقديم الكلي على الجزئي والقطعي على الظني والمصالح العامة على المصالح الخاصة هذا الفقه وهذا الترتيب لابد أن يكون له محل فتكون النفس عادلة ليست منفعلة , لان النفس في طبيعتها منفعلة متقلبة ولهذا قلنا الله في القران ما ذكر النفس واحدة من حيث الصفة مع انها واحدة من حيث الماهية , لكن من حيث الصفة تارة تذكر النفس لوامة وتارة تذكر أمارة بالسوء - إلا من او ما رحم الله - وتارة تذكر النفس مطمئنة الى غير ذالك فالتحقيق لهذه الطمأنينة هذا قدر منه اكتساب ,واكتسابه بأوجه وأوجه اكتسابه الديانة كما أسلفنا في الصفة الاولى وعلى هذا تجد أن الله يذكر طمأنينة القلوب بذكره {إلا بذكر الله تطمئن القلوب} وأخص ذكره سبحانه وتعالى ذكره بما جاء في كتابه فان من يقرا القران فانه من اخص الذاكرين له سبحانه وتعالى والذاكرات الى غير ذالك من الاوجه ..
فالعناية بالمدرك العقلي والعناية أيضا بالطبيعة النفسية تصحيحا وتجريدا هذا لابد لصاحب النظر في فقه النوازل منه , لابد لطالب العلم منه ولاشك انه آكد في حق من ينظر في النوازل من أهل العلم وأئمة العلم وأهل الاجتهاد او ما الى ذالك لان العقل قد يزل بصاحبه وكذالك النفس , بمعنى أن الذي لا يحقق هذا وذاك ضبطا وتصحيحا يخشى أن يكون اما عقله وإما نفسه مهيمنة على نظره في الشريعة وهذا هو الاشكال او السوء الذي ينتاب بعض من ينظر في المسائل الشرعية وهو ربما لم يتبين هذا او لم يتأمل فيه كثيرا لان المقتضى الصحيح أن تكون الشريعة مهيمنة على المدرك العقلي وعلى الطبيعة النفسية فلا يخالف العقل شيئا جاء به الشرع ولا تسلك النفس بتقدم او تأخر بين أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولهذا نهى الله جل وعلا عن التقدم بين , او تقديم ماهو من حق النفس وحظ النفس وحق
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)