ـ [عبدالوهاب مهية] ــــــــ [15 - 08 - 09, 06:38 ص] ـ
القِطْفُ الجَنِيّ
في بيان نجاسة المَنِيّ
الحمد لله على نعمه التي لا يحتويها عدّ، و لا يحصيها ذاكر مهما جدّ. سبحانه لا يحصى ثناؤه، و لا يستقصى عطاؤه. فالألسن مهما لهجت بشكره فهي عاجزة. و مِنّتُهُ على الخلق عالية ناشزة.
فله الحمد حمدا يجلب الرضى، و يستر قبيح ما هو آت و ما مضى. و يكون لنا نورا إذا الليل غضا.
و صلى الله و سلم و بارك على الرحمة المهداة، و النعمة المسداة، سيد الأولين و الآخرين و إمام الأنبياء و المرسلين؛ حبيب رب العالمين، محمد الصادق الأمين.
و رضي الله عن الآل الكرام و الصحابة الأعلام، و من اقتفى آثارهم و اتبع أخبارهم إلى يوم الزحام ...
أما بعد ...
استدل القائلون بطهارة المني بأدلة، جمعها العلامة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في كتابه الممتع"الشرح الممتع" (1/ 454) فقال:
ولنا في تقرير طهارته ثلاث طُرُق:
1 -أنَّ الأصل في الأشياء الطَّهارة، فَمَن ادَّعى نجاسة شيء فَعَلَيْه الدَّليل.
2 -أن عائشة رضي الله عنها كانت تَفرُك اليابس من مَنِيِّ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، و تَغْسِل الرَّطب منه، و لو كان نَجِسًا ما اكتفت فيه بالفَرْكِ، فقد قال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّمَ في دَمِ الحيض يُصيب الثَّوب، قال: «تَحُتُّه، ثمَّ تَقْرُصُه بالماء، ثمَّ تَنْضِحُه، ثمَّ تصلِّي فيه» . فلا بُدَّ من الغَسْل بعد الحتِّ، ولو كان المنيُّ نجسًا كان لا بُدَّ من غَسْله، ولم يُجْزِئ فَرْكُ يابِسِه كدَمِ الحيض.
3 -أن هذا الماء أصل عِبَاد الله المخلصين من النَّبيين، و الصِّدِّيقين، و الشُّهداء، و الصَّالحين، و تأبى حكمة الله تعالى، أن يكون أصل هؤلاء البَررة نَجِسًا.
و مرَّ رجل بعالمين يتناظران، فقال: ما شأنكما؟ قال: أحاول أن أجعل أَصْلَه طاهرًا، و هو يحاول أن يجعل أصْلَه نجِسًا؛ لأن أحدهما يرى طهارة المنيِّ، والآخر يرى نجاسته. اهـ
وها أنا ذا أشرع في بيان ما في تلك الأدلة. فأقول مستعينا بالله الجواد الكريم:
ـ [عبدالوهاب مهية] ــــــــ [15 - 08 - 09, 06:45 ص] ـ
أما أولا:
•بيان أمر النبي صلى الله عليه و سلم بغسل المني، و إبطال حجة من يتمسك بالبراءة الأصلية:
فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال:
«ذكر عمر بن الخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه تصيبه الجنابة من الليل فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: توضأ واغسل ذكرك ثم نم»
أخرجه البخاري (286) و مسلم (730) .
و قوله:"توضأ ... إلخ"الواو هنا للجمع و ليست للترتيب. أي فاجمع بين غسل الذكر و الوضوء، و معلوم أن غسل الذكر يكون أولا.
و قد رواه ابن حبان في صحيحه (1212) بلفظ: «اغسل ذكرك ثم توضأ ثم ارقد»
و عند أحمد (5190) و الدارمي (756) بلفظ: «سأل عمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: تصيبني الجنابة من الليل فأمره أن يغسل ذكره وليتوضأ» .
و في هذا دليل واضح على نجاسة المني، و هو نظير قوله صلى الله عليه و سلم في المذي - و هو نجس بالإتفاق: «توضأ و اغسل ذكرك» أخرجه البخاري (266) و مسلم (721) .
و الأمر فيه للوجوب، و لا يقال إنما أمره النبي بغسل الذكر من أجل ما يصيبه من رطوبة فرج المرأة و ليس من أجل المني، فإنا نقول إنما سأله عمر عن مطلق الجنابة، و هي تعم الجماع و الإحتلام.
و قد كان عمر رضي الله عنه يعاني من كثرة الإحتلام؛ ففي الموطأ (111) عن زييد بن الصلت أنه قال:
«خرجت مع عمر بن الخطاب إلى الجرف فنظر فإذا هو قد احتلم، و صلى ولم يغتسل، فقال: والله ما أراني إلا احتلمت و ما شعرت، و صليت و ما اغتسلت! قال: فاغتسل و غسل ما رأى في ثوبه، و نضح ما لم ير، و أذن أو أقام ثم صلى بعد ارتفاع الضحى متمكنا»
و في رواية محمد بن الحسن (2/ 50) قوله: «و لقد سلط علي الإحتلام منذ وليت أمر الناس» .
و لم يكن أمره مقتصرا على أصحابه فحسب، بل كان هو كذلك يفعل ما يأمرهم به و يواظب عليه. ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت:
«كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن ينام و هو جنب غسل فرجه و توضأ للصلاة» .
رواه البخاري (284) و مسلم (305)
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)