فيما يختص بهذه المقدمات التي أشرت الى التأتي عليها في هذا المجلس نأتي الى ما يتيسر به او يتيسر مع الوقت وإلا فمقام الاستكمال لهذه المقدمات ليس مقصورا على هذا القدر وإنما هذا ابتداء فيما يمكن أن نقول انه نظرية لفقه النوال نظرية يرتبها الباحث وصاحب الفتوى وصاحب العلم وصاحب القضاء ينبغي أن يرتب نظره في النوازل على جملة من القواعد , فياتي هذا من محصل الاستقراء ياتي محاولة لمقدمة نظرية علمية يقتفي فيها طالب العلم شيئا من اثر السالفين من الصحابة ومن بعدهم من أئمة الفقه والعلم.
المقدمة الاولى: صفة النازلة
فانه يتداول في المجالس العلمية وربما في شيء من الكتب أيضا والبحوث وصار ذالك أيضا موجودا في بعض المناهج الاكاديمية في الجامعات ما يتعلق بفقه النوازل فما هي المسالة التي يصدق عليها انها نازلة , هنا يقال: أن النازلة لها صفتان:
الصفة الاولى: الاختصاص
الصفة الثانية: العموم
اما الاختصاص فيراد به الاختصاص بإنشاء حكم بحيث لا يكون لها نظير او حكم مسمى في كلام أهل العلم فلابد أن تكون طارئة من حيث الماهية أيضا يكون حكمها مختصا ولهذا اذا قال فيها المجتهد او جملة من المجتهدين في عصر من العصور أن هذا القول باعتبارها نازلة يكون إنشاء على صفتها وان كانت النازلة لا يلزم انها تكون نازلة في أصل ماهيتها بل قد يكون طروءها من حيث أصل الماهية وقد يكون ذالك باعتبار العوارض التي احتفت بها فصارت نازلة , وقد تكون المسالة أصلها موجود في كلام الفقهاء ونصوا على حكم فيها ولكن احتف بها من العوارض وصاحبها من القرائن والاحوال مالم يذكره السابقون من الفقهاء , فهذه القرائن التي احتفت بها جعلتها نازلة وان كان أصل المسالة له ذكر في كتب الفقهاء ولكن بما طرأ عليها من العوارض والاحوال صار النظر فيها لا يلزم أن يكون مطابقا للنظر الفقهي السابق ومن جهة اخرى فان النازلة لها صفة العموم , والعموم هنا اما أن يكون عموما في ماهيتها , بمعنى انها تتعلق بعامة المسلمين لكون ما هية هذه النازلة فيه عموم , كالحال التي عرضت على أمير امومنين عمر رضي الله عنه فيما سبق من المثال في الطاعون , فان هذا الحكم فيه عموم لان ماهية المسالة التي نظر فيها عمر والصحابة عام.
وقد تكون النازلة ليست عامة للمسلمين من حيث الماهية وإنما فيها عموم من حيث الحكم اذن النازلة تجمع هذين الوصفين:
الوصف الاول: الاختصاص في إنشاء الحكم
الوصف الثاني: اما العموم في الماهية وإما العموم في الحكم.
وإما ما لم يكن على هذين الوصفين فانه لا يسمى نازلة إنما هي بعض وقائع الاعيان التي لا تصل الى هذه الرتبة فإذا قيل فقه النوازل فان المراد بالنازلة ما كان فيها اختصاص او ما كانت على صفة الاختصاص او ما كانت على صفة العموم , فإن هذا هو المعنى الذي يرتب عليه بقية المقدمات.
المقدمة الثانية: صفة الناظر
من هو الذي ينظر في النوازل التي تطرأ على المسلمين سواء كانت عامة من حيث الماهية او عامة من حيث الحكم , فانه لا يصح أن يتخوض فيها العامة بل ولا يصح أن يتخوض فيها أحاد الناظرين في العلم فليس كل من صار له شي في البحث او قدر من التحصيل العلمي جاز له شرعا [هذه الاجازة ليست إجازة الضرورة يملكها زيد او عمرو , فان المقام الاوجب هنا هو المعرفة بالحكم الشرعي] فيقال هنا انه ليس كل من كان له نظر في العلم او في البحث جاز له شرعا أن يتقحم القول في النوازل.
بل لابد أن يكون الناظر في النازلة له صفة شرعية مأخوذة من مقتضى نصوص الشريعة , وما رتبه العلماء رحمهم الله في صفة المجتهد وأهليته وان كانت ليست بالضرورة تاتي على صفة المجتهد التي سماها علماء الاصول في القرون المتأخرة , أن الصفة التي سموها كما هو معروف في بعض مقاماتها انغلاق من حيث التحقق , كما أن في بعض مقامات هذه الصفة تأخر من حيث النقص فان بعض مقامات هذه الصفة لو طبقت على الكبار لما كانت منطبقة على التمام , كما أن ثمة بعض الصفات لم يطرد قول هؤلاء في تسميتها , وان كان بعضهم أشار إليها ولعلي في تفصيلي هذه المقدمة أشير الى المقصود من هذا المعنى.
الناظر له صفات جملتها ثلاث:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)