وهذه المعرفة لها اثر في اقتفاء الفقه ولهذا وقبل أن ندخل في ترتيب هذه المقدمات العلمية التي هي فيما أرى شيء من ما يتحصل من استقراء كلام أهل العلم كما أسلفت نقول أن هذا الترتيب في رتب العلماء اعني علماء الشريعة هذا الترتيب له أصل في فقه السلف وفي فقه الصحابة رضي الله تعالى عنهم ولهذا لما نزل بالمسلمين نازلة في خلافة أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه وقد سار رضي الله عنه - وقد كان إذ ذاك خليفة للمسلمين - سار كما صح أن ابن عباس الثابت في الصحيح وغيره سار عمر ومعه أهل الاجناس فبلغه وهو في طريقه الى الشام خارجا من المدينة النبوية بلغه أن الوباء قد وقع في الشام ويراد بالوباء هنا الطاعون فأمر ابن عباس رضي الله عنهما أن يدعو له المهاجرين الاولين فقدم عمر في الاستشارة الفقهية الكبار من أئمة العلم والذين سبقوا مجالسة وصحبة للرسول صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم.
فاختلف المهاجرون فمنهم من قال يا أمير المؤمنين قد خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه وقال بعض المهاجرين: يا أمير المؤمنين معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء فقال ارتفعوا عني ثم أمر ابن عباس أن يدعو الانصار فدعى من كان في الجيش من الانصار فاستشارهم فاختلفوا كاختلاف المهاجرين فقال ارتفعوا عني ثم أمر ابن عباس أن يدعو من كان في الجيش من مسلمة الفتح - فتح مكة - فأطبق مسلمة الفتح على رأي واحد فقالوا: يا أمير المؤمنين معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء , فلما رأى عمر هذا الوجه من الراي - وكأنه كان رضي الله عنه يميل اليه - قال: اني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه.
فهذا الامر يعد من سير السالفين رضي الله عنهم من أئمة الدين والعلم في النظر في النوازل وفقهها وفي فقه أمير المؤمنين هنا جملة من الاشارات والتنبيهات ومن اخصها انه لم يختص بالرأي وحده في الراي العام ومن اخصها انه قدم باعتبار الرتب والاقرب الى الفقه والاسبق ومنها انه قد يكون عند اللاحق شيء من الاتفاق لم ينضبط للسابق الى غير ذالك فقال أبو عبيدة كما في تتمة الرواية: أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة نفر من قدر الله الى قدر الله ثم ضرب مثلا فقال: أرأيت لو كان لك ابل وهبطت واديا له عدوتان إحداهما خصبة والاخرى جدبة أليس اذا رأيت الخصبة رايتها بقدر الله وان رأيت الجدبة رايتها بقدر الله.
فجاء عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنهما فحدث الصحابة بما حفظ عن النبي صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم من قوله في الطاعون {اذا سمعتم به بأرض وانتم بها فلا يخرجنكم الفرار منه} وفي رواية والحديث جاء من رواية عبد الرحمن وحديث أسامة ابن زيد في الصحيحين وغيرهما {فلا تخرجوا فرارا منه وان وقع بأرض ولستم بها فلا تقدموا عليه} فكان ما انتهى اليه الاجتهاد في هذه النازلة قبل وجود او قبل بلوغ النصف وإلا هي ببلوغ النصف لا تعد من النوازل التي تحاط بالاجتهاد وإنما فيها الامتثال لان النص جاء صريحا ومفصّلا في قوله صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم {فإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تقدموا عليه} .
فهذا المنهج له اثر في التطبيق ويجب أن يكون معتبرا في فهم طلبة العلم , وأصحاب البحث في هذه النوازل , وان كان كما أسلفت هذا الباب لا يزال يحتاج الى مزيد من التاصيل والتقعيد لأنه باب استقرائي في نصوص الشريعة من جهة وفي كلام أهل العلم من جهة اخرى ولهذا من الوصية الجامعة فيه أن ما صدق الأمر فيه أنه نازلة فلا ينبغي لطالب العلم الفرد أن يتقحم في القول فيه إلا وقد اجتمع ما يصحح هذا القول من الاحوال المصححة لمنهج النظر عنده ومن ذالك أن يكون النظر مشتركا فان هذا سنة ماضية من سنن الصحابة رضي الله عنهم ومن سنن العلماء من بعدهم.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)