فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 257

وإن من آخر ما تفتقت عنه ذهنية هؤلاء المبتدعة نبذ من يقول بكفر الحكام المبدلين لشريعة الرحمن وطوائفهم بجماعات التكفير، فحيث ذكر فلان من هؤلاء يقال: هذا تكفيري، أو كقول بعضهم بلهجته العامية: المكفراتية، وأنت لو رحت تسأل هذا الجاهل عن معنى هذا اللفظ لما درى بماذا يجيب، ولم يدر هؤلاء الجهلة أن التكفير هو شق الإسلام الذي لا يصح إسلام المرء إلا به، إذ أن المسلم يبدأ إسلامه بكلمة التوحيد لا إله إلا الله وشق هذه الكلمة لا إله كفر بكل الآلهة الباطلة، وكفر بعابديها، وكفر بأوليائها، كما قال سبحانه وتعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى} ، فهل الإسلام إلا كفر بالطاغوت وإيمان بالله؟ ثم ألا يعلم هؤلاء أن عدم تكفير الكافر كفر بالله تعالى، وقد وصل الأمر بحال هؤلاء أن يتوقفوا في كفر اليهود والنصارى، ويزعمون أنهم جهلة، فسبحان من قسم العقول فأضل أقواما، وهدى آخرين.

قلنا إن هبات حركات الردة على أمتنا ليست بجديدة، ففي آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم أطل مسيلمة برأسه، وزعم نزول الوحي عليه، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم: مسيلمة الكذاب، وظهر كذلك مرتد آخر في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وغلب على أهل اليمن وهو الأسود العنسي، قام له رجل صالح يسمى فيروز الديلمي مع جماعة من جند الإسلام فقتلوه في حركة عسكرية انقلابية، وأعادوا اليمن إلى حظيرة الإسلام، أما أمر مسيلمة فقد امتد أمره، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وشاعت حركة الردة حتى عم شرها الجزيرة العربية، فزعم قوم النبوة، فتنبأت سجاح بنت الحارث، ولقيط بن مالك الأزدي، وكذلك طليحة (وقيل إن طلحة ارتد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فوجه النبي صلى الله عليه وسلم ضرار بن الأزور إلى عماله على بني أسد في ذلك، وأمرهم بالقيام في ذلك على كل من ارتد) ، وعاد الناس إلى ما كانوا عليه من أمر الجاهلية فتحللوا من فروض الشريعة، فمنهم من تركها جميعا، ومنهم من أنكر الزكاة، وزعم أنها تجب للرسول صلى الله عليه وسلم فقط، وليس لأبي بكر حق فيها، ومنهم من أعلن أنه سيؤديها بنفسه، ولن يؤديها إلى أبي بكر الصديق، وظن ضعاف الإيمان أن سيف الإسلام قد نبت شفرته بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاغتنموا الفرصة للخروج من هذا الدين، وغلبت الردة على الجزيرة العربية، و لم يبق على الإسلام إلا مكة والطائف وجواثى بالبحرين والمدينة، فعمت الردة القبائل والقرى والتجمعات، فقام لها أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم حق القيام، ونشطوا في صدها ومنعها، ورفعوا لها رأس الجد والجهاد، ورؤي من أبي بكر رضي الله عنه صلابة لم تعهد فيه من قبل، حتى أن الرسل كانت تأتيه بالأخبار السيئة التي يرهب منها الرجال فما كان منه إلا أن يأمر بالمزيد من الحرب والنار، حتى قال ضرار بن الأزور: فما رأيت أحدا ليس رسول الله صلى الله عليه وسلم أملأ بحرب شعواء من أبي بكر، فجعلنا نخبره -أي أخبار الشر عن الردة وعظمها- ولكأنما نخبره بما له لا عليه. وكانت وصاياه للجند تدور حول جز الرقاب بلا هوادة أو تباطؤ، حتى أنه رضي الله عنه حرق رجلا يسمى إياس بن عبد الله بن عبد يا ليل ويلقب بالفجاءة، لما خدعه في أخذ أموال لجهاد المرتدين، ثم لحق بهم، أو على الصحيح، صار بها قاطع طريق، ودارت رحى الحرب شاملة كل الجزيرة، ولم يجزع أحد من أصحاب رسول الله منها، بل كانوا رجالها وأهلها، حتى عادت الجزيرة إلى حكم الإسلام وسلطانه.

كذاك الدهردولته سجال *** فيوم من مساءة أو سرور

لبث قليلا تأتك الحلائب *** يحملن آسادا عليها القاشب

كتائب يتبعها كتائب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت