هذه العقليّة في تفسير الكونيّات التقت في عدم أهمّية البحث والنّظر وعدم أهميّة العمل في حصول النّتيجة كنهاية مع النّظرة الجبريّة، فكمُلت المصيبة عند أهل الإسلام بالإعراض عن البحث والدّراسة والتّجربة، ثمّ جاءت الصّوفيّة فاستغلّت ذلك كلّه وجعلت الكسل شعار الزّهّاد، وجعلت تحطيم الإرادة نهاية التّعبّد والتألّه، وجعلت المجاذيب والمجانين هم البهاليل (والبهلول كلمة مدح تعني الرّجل الشّجاع الحكيم الكريم ولكنّها أطلقت من قبل الصّوفيّة على مجاذيبهم فانقلب معناها في أذهان النّاس إلى معنىً قبيح وهو المجنون) .
ومن هنا فإنّ أضلّ النّاس كلامًا في الكونيّات هم أهل الكلام، وهم قادة الأمّة منذ القرن الخامس الهجريّ، فكان خلال هذه العصور رجال الكونيّات وأئمّتها هم النّصارى واليهود والفلاسفة والزّنادقة.
أمّا لماذا الفلاسفة كابن سينا والرّازي والفارابي والخوارزمي فهذا له شرحٌ طويلٌ لا يتّسع له هذا المقام.
ولكن، هل العلوم الكونيّة من الإيمان؟ بمعنى هل المسلم البصير بأمور الخلق وسننه أكثر إيمانًا من غيره، كما أنّ المسلم البصير بأمور الشّرع والدّين أكثر إيمانًا من غيره؟.
الجواب بكلّ اطمئنان ويقين: نعم، وعندما يكون الجواب نعم فإنه يعني أنّ الوعود الإلهيّة التي قالها الله تعالى في كتابه وقالها رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنّة النّبويّة لا تقع إلاّ بوجود النّوع من الإيمان المتعلّق بالأمور الشّرعيّة والدّينيّة.
وتفسير ذلك، أو دليل ذلك، قوله صلى الله عليه وسلم: (( المؤمن القويّ خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضّعيف، وفي كلٍّ خير ) ).
فإيمان المؤمن القويّ أقوى -لأنّه أحبّ إلى الله تعالى- من إيمان المؤمن الضّعيف، والقوّة والضّعف تعلّقهما في الكونيّ والخلقيّ لا في الدّينيّ والشّرعيّ، وتفسير هذا، أنّ الإيمان قول وعمل، والعمل لا يقع إلاّ بقوّة وإرادة، والقوّة هنا في هذا التّقسيم قاصرة فقط على ما هو كونيّ، ولا ينبغي أن يقال هنا قوّة محبّة الله ومحبّة الآخرة، فإن هذا النّوع من القوى داخلة في الإرادة وهي الشّقّ الثّاني المطلوب لتحقيق العمل، فالقوّة هنا تقع على ما هو كونيّ فقط.
إذًا يجب علينا أن نعلم أنّ البصر والعلم بما هو كونيّ شرطٌ لتحقيق كمال الإيمان الواجب لتحقيق الوعود الإلهيّة في الكتاب والسّنّة.
كما أنّ البصر والعلم بما هو شرعيّ شرطٌ لتحقيق كمال الإيمان الواجب لتحقيق الوعود الإلهيّة في الكتاب والسنّة سواء بسواء.
ولهذا النّوع من العلوم (علم الكونيّ) طرقٌ للفهم، وقواعد للتّلقّي وأصول للتّأصيل والعمل، كما أنّ للعلم الشّرعيّ طرقٌ للفهم وقواعد للتّلقّي وأصول للتّأصيل والعمل.
ومن أهم هذه القواعد وأرسخها وأوضحها وأبرزها أنّ النّبوّة والأنبياء لم يرسلهم الله تعالى بهذه العلوم، بل هذه العلوم داخلة في قوله صلى الله عليه وسلم: (( أنتم أعلم بأمور دنياكم ) ).
نعم، ما قاله صلى الله عليه وسلم من هذه الأمور والعلوم والسّنن حقٌّ وصدق ويجب التّسليم به واعتقاد صدقه وحقّه مثل قوله صلى الله عليه وسلم عن الذّباب: (( إنّ في إحدى جناحيه داء وفي الأخرى دواء ) )، أو مثل قوله: (( أنّ الداء ينزل في الليل ) )، أو مثل ما أرشد إليه من بعض أمور الطّب كقوله عن الحبّة السوداء: (( أنها شفاء من كل داء إلاّ السام-الموت- ) )، وكقوله عن ماء الكماة أنها: (( شفاء للعين ) )، فهذه أمور حق وصِدق ويجب الإيمان بها والتسليم بها ولا يُلتفت إلى قول من قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالها من قبيل نفسه وتجربته كما وقع لشاه ولي الله الدهلوي في"حجة الله البالغة"ومن تابعه، بل هي من أمور الوحي الذي منّ الله تعالى على أمّة محمد صلى الله عليه وسلم بها رحمة بهم والإيمان بها واجب والتعريض بها ردًّا وقدحًا من ضعف الإيمان وربّما يكون نفاقًا عياذًا بالله تعالى.
ومن أوضح هذه القواعد في التّعامل مع الكونيّ أنها عرضة للتبديل والتغيير، وهي داخلة في مجال البحث والاكتشاف والأخذ والردّ.