فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 257

إن الحمدلله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد: قال تعالى: وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) [التوبة:122]

قال القرطبي:"فيها أن الجهاد ليس على الأعيان وأنه فرض كفاية إذ لو نفر الكل لضاع من ورائهم من العيال، فليخرج فريق منهم للجهاد وليقم فريق يتفقهون في الدين ويحفظون الحريم، حتى إذا عاد النافرون أعلمهم المقيمون ما تعلموه من أحكام الشرع". التفسير (8/ 293) .

وقد جعل الله سبحانه الناس في هذه الآية قسمين: مجاهد ومجتهد ولا خير فيمن سواهم، والمجاهد مجتهد والمجتهد مجاهد، فإن الجهاد والاجتهاد مشتقان لغة إما من الجَهد بفتح الجيم وهو"التعب والمشقة"أو من الجُهد بالضم وهو"الوسع والطاقة".

قال سيد قطب رحمه الله عقب الآية:"إن فقه هذا الدين لا ينبثق إلا في أرض الحركة، ولا يؤخذ عن فقيه قاعد حيث تجب الحركة، والذين يعكفون على الكتب والأوراق في هذا الزمان لكي يستنبطوا منها أحكاما فقهية"يجددون"بها الفقه الإسلامي أو"يطورونه"وهم بعيدون عن الحركة التي تستهدف تحرير الناس من العبودية للعباد، وردهم إلى العبودية لله وحده بتحكيم شريعة الله وحدها وطرد شرائع الطواغيت .. هؤلاء لا يفقهون طبيعة هذا الدين، ومن ثم لا يحسنون صياغة فقه هذا الدين".

واعلم أن الغاية من الجهاد والاجتهاد هي: «تعبيد الناس لله وحده وإخراجهم من العبودية للعباد وإزالة الطواغيت كلها من الأرض وإخلاء العالم من الفساد» . وقد فقه هذا الدين سلف الأمة وخيرها وتمثلوه حتى أصبح هيئة راسخة في نفوسهم، ووصفا لازما ففاضوا على العالم وعيا وعلما بالرسالة. قال الطبري:"أرسل سعد بن أبى وقاص ربعي بن عامر قِبَل القادسية إلى رستم قائد جيش فارس بناء على طلبه، فقال: ما جاء بكم؟ قال: الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه. فمن قبل منا ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه وتركناه وأرضه يليها دوننا. ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله! قال: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي".

ثم طال الأمد على الأمة فرجعت القهقرى ونسيت العهد، وكأن الزمان قد استدار كهيئته يوم بدأ، فعاد الدين إلى غربته الأولى كما في الحديث:"بدأ الإسلام غريبا وسعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء".

"وكأنما نادى لسان الكون على العالم بالخمول والانقباض فبادر بالإجابة". كما قال ابن خلدون. وأفول العمران يحتاج إلى التجديد، والتجديد إنما يكون بعد الدروس الذي هو غربة الإسلام وذلك بالجهاد والاجتهاد. بتجديد النظرة الشاملة إلى العالم على المستوى المعرفي و المجتمعي والقيمي، الذي أصيب بالعطب في هذه الأعصر المتأخرة.

لقد أخذ الأخ الصديق عمر أبو عمر بمقتضيات التجديد في معالجة قضايا الجهاد والاجتهاد، وذلك بتوسيع هذه المفاهيم وتجديدها لتأخذ مكانتها اللائقة في مجتمعاتنا المعاصرة، فقد أخذ بالنظرة الشمولية والتكاملية، وليس بالنظرة التجزيئية والتفاضلية، فجاءت تأملاته على اقتضابها وكثافتها كالوابل الصيب، فأيقظت نفوسنا وأحيت أرواحنا من غفلتها ودعتها.

إن الربط المحكم الذي جاء به المؤلف بين الجهاد والاجتهاد، والعبودية والتوحيد، يعيد إلى الدين جدته، ويجعله غضا طريا كما كان عليه عند التنزيل قبل أن تطاله يد التأويل والتبديل. والتمييز الذي أتى به بين الخلق والأمر والكوني والشرعي جعل التواصل مع الشريعة أمرا ممكنا، إن الفضل يعود إلى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في بيان هذه المفاهيم، ولكن الغفلة التي أصابت الأمة أدت إلى اندراس الشريعة، وغموض المفاهيم، واشتباه الحقائق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت