يقول ابن تيمية:"حكم الله نوعان: خلق وأمر". وقال:"وكثير من الناس تشتبه عليهم الحقائق الأمرية الدينية الإيمانية بالحقائق الخلقية القدرية الكونية، فان الله سبحانه له الخلق والأمر، كما قال تعالى: {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} . فهو سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه لا خالق غيره ولا رب سواه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فكل ما في الوجود من حركة وسكون بإرادته وقدره ومشيئته وقدرته وخلقه، وهو سبحانه أمر بطاعته وطاعة رسله، ونهى عن معصيته ومعصية رسله. أمر بالتوحيد والإخلاص ونهى عن الإشراك بالله".
ومما ينبغي التنبيه عليه أن هم المؤلف هو أن يعيد لمفهومي الجهاد والاجتهاد إنتاجيتهما في مجتمعاتنا المعاصرة، بعد أن عطلا زمنا طويلا، وقد تيسر له ذلك بربط الجهاد والاجتهاد بالقدرة والاستطاعة بعد أن أنيطا ردحا من الزمن بالإمام. فالجهاد هو الذي يمثل القوة في أكمل معانيها، والاجتهاد هو الذي يمثل المعرفة بأشمل معانيها، ولا يخفى على اللبيب أن شبكة علاقات القوة بالمعرفة هي التي تشكل السلطة بمعناها الكامل والشامل.
يقول ابن تيمية في الجهاد والقدرة:"ولما كان الجهاد من تمام ذلك -أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- كان الجهاد أيضا كذلك فإذا لم يقم به من يقوم بواجبه أثم كل قادر بحسب قدرته، إذ هو واجب على كل إنسان بحسب قدرته".
ويقول في الاجتهاد والقدرة:"وكذلك العامي إذا أمكنه الاجتهاد في بعض المسائل جاز له الاجتهاد، فان الاجتهاد منصب يقبل التجزؤ والانقسام، فالعبرة بالقدرة والعجز، وقد يكون الرجل قادرا في بعض عاجزا في بعض".
أود أن أنبه أن أصل هذا الكتاب عبارة عن مقالات متفرقة، ينتظمها سلك الجهاد والاجتهاد، فإن وجد القارئ الكريم تفككا في التركيب فلن يعدم تماسكا في المعنى والمضمون، وإثم ذلك على جامعه لا مؤلفه.
أسأل الله العلي القدير أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا من أهل الجهاد والاجتهاد، والحمد لله رب العالمين.