ولأنه كما يلزم المسافر حال اشتباه الجهات التحرى إلى جهة الكعبة ، كذلك
يلزم العالم بالجهة أن يتحرى منها ما يقابل الكعبة حسب طاقته ، وإن كان ذلك تقريبا وتخمينا ، لأنه أقرب إلى الصواب .
فعلى هذه الرواية متى تيامن أو تياسر عن نوء اجتهاده: بطلت صلاته"لأنه"
يعلم قطعا أو ظاهرا أن عين الكعبة لا تقابله ، بخلاف ما إذا توسط الجهة وتحرى منها بحسب إمكانه ما يقابل الكعبة ، فإن احتمال إصابته عند ذلك لم يثبت بطلانه بقطع ولا ظاهر .
والرواية الأخرى: أن فرضه إصابة الجهة ، فلا يضره التيامن والتياسر ما لم يخرج عنها بجملته . اختارها الخرقي [1] ، وهي الصحيحة ، لما روى أبو هريرة قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما بين المشرق والمغرب قبلة" [2] رواه ابن ماجة والترمذي وحسنه وصححه .
وصح عنه عليه السلام أنه قال:"لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ، ولكن شرقوا أو غربوا" [3] . وهذا يدل على أن ما بينهما قبلة .
ولأن إصابة العين بالاجتهاد يتعذر ، فإنه ما من بلد إلا وقبلته يمتد إليها الصف المستطيل الزائد على سمت الكعبة بأضعاف متعددة ، وكذلك يصلى في مساجده إلى نوء واحد ، ونعلم قطعا أن حجم الكعبة لا يقابل الجميع ، فلما تعذرت إصابة العين: أقيمت الجهة مقامها للضرورة .
(1) ولفظه في الختصر ( ص: 24 ) : وإن كان غائبا عنها فبالاجتهاد بالصواب الى جهتها .
(2) أخرجه الترمذي ( 2/ 171 ح 342 ) ، وابن ماجه ( 1/ 323 ح 1511 ) .
(3) أخرجه البخاري ( 1/ 54 1 ح 386 ) ، ومسلم ( 1/ 224 ح 264 ) .