وقد بينا في غير هذا الموضع أن وجوب الكفارة في النذر وتحريم الحلال والحالف بقوله أنا يهودي أو نصراني أولى من وجوب الكفارة في الحالف باسم الله لأن هذه الأيمان فيها من الالتزام بمثل حرمة الأيمان أعظم مما في الحلف باسم الله فإذا كان الحالف باسم الله يجب عليه الكفارة لما فيه من هتك حرمة اسم الله فما في هذه الأيمان من هتك حرمة المسمى أحق بوجوب الكفارة فإن تحريم الحلال تبديل لحكم الله ليس هو من أمر الله ولو اعتقد معتقد أنه يغير الدين لكان كافرًا وكذلك التزام الكفر إن فعل كذا وكذا فإن ما عقده لله أبلغ مما عقده به فقوله لله عليَّ أن أفعل أبلغ من قوله والله لأفعلنَّ فإذا كان الحانث في هذا يجب عليه كفارة فالحانث في ذلك أولى وأحرى.
ويدل على ذلك دلالة مستقلة أنه لو قصد بصيغة النذر اليمين كان يمينًا في مذهب أبي حنيفة والشافعي فإذا قال لله علي أن لا أدخل هذه الدار ونوى اليمين كانت يمينًا كما ذكره الحنفية في كتبهم ونقله عن أبي حنيفة القدوري و (ابن مازة) * وغيرهما وكذلك ذكره الغزالي ومعنى اليمين أن يحضَّ نفسه على الفعل فقوله لله علي كأنه قال يمين الله علي أو لعمر الله أو أحلف بالله لا يقصد بذلك التقرب إلى الله.
فيقال إذا كان هذا اللفظ يوجب الكفارة إذا قصد به اليمين فإذا قصد به النذر كان أولى فإن النذر فيه معنى اليمين وزيادة وذلك أن الحالف مقصوده حض نفسه على الفعل ووكَّد ذلك بالحلف والناذر أيضًا مقصودة حض نفسه على الفعل وقد وكد ذلك بقوله لله وهي فيها معنى القسم ولهذا إذا نوى بها اليمين كانت يمينًا ولا فرق بين الناذر والحالف إلا أن الحالف لم يقصد أن يتقرب بفعله إلى الله والناذر قصد التقرب إلى الله وهذا القصد يزيد ذلك توكيدًا.
وإذا قيل إن الله لا يحب أن يتقرب إليه بمعصية فلم يوافق نذره مراد الله في شرعه.
* في المطبوع: (ابن مادة) ، وهو تصحيف! [نشأت ص157]