منقطع بينه وبينه رجل آخر لم يسمه أبو يوسف وأبو يوسف ذكره ليحتج به والمعنى صحيح لكنه ليس في لفظ الحديث.
وإنما ذكرنا هذا لأن كثيرًا من الناس يظن أن الشافعي لقي أبا يوسف ويذكرون في رحلته أشياء عن مالك وأبي يوسف والشافعي لا يليق أن تنسب إليهم ومن عرف سيرتهم عرف أن ذلك كذب عليهم.
ثم إن الشافعي بعد لقائه محمد بن الحسن ببغداد سنة بضع وثمانين ومائة رجع إلى مكة فلما حج أحمد بن حنبل اجتمع به بمكة وجمع بينه وبين إسحاق بن راهوية وتناظرا في إجارة بيوت مكة كما ذكر ذلك أحمد.
ثم إن الشافعي قدم بغداد مرة ثالثة سنة يضع وتسعين وفي تلك القَدْمَةِ صنف كتابه الحجة واجتمع به هنالك أبو ثور وأحمد وأبو عبد الرحمن الزعفراني وغيرهم ثم رجع إلى مصر فأخذ عن العراقيين آثارًا كثيرة وعلومًا لم تكن عند الحجازيين وكان أولًا على طريقة المدنيين الذين لا يحتجون بأحاديث أهل العراق كما قال محمد بن الحسن دخلت على مالك فوجدته يقول لأصحابه نَزِّلوا أحاديث أهل العراق منزلة أحاديث أهل الكتاب لا تصدقوهم ولا تكذبوهم فلما رآني كأنه استحيا فقال يا أبا عبد الله لا يسوءك ما سمعت هكذا كان أصحابنا يوصوننا.
وذمُّ أهل الحجاز لأهل العراق قديم من زمن الصحابة.
وقال أبو طلحة لأنس «أعراقية» (1) وقال سعيد بن المسيب لربيعة أعراقي أنت؟
فإن جهة المشرق قد علموا أن منها تأتي الفتن.
(1) في الموطأ عن عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري «أن أنس بن مالك قدم من العراق. فدخل عليه أبو طلحة وأبي بن كعب. فقرب لهما طعامًا قد مسته النار فأكلوا منه, فقام أنس فتوضأ، فقال أبو طلحة وأبي بن كعب: ما هذا يا أنس؟ أعراقية؟ فقال أنس: ليتني لم أفعل. وقام أبو طلحة وأبي بن كعب فصليا ولم يتوضآ» .