فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 392

* عن كعب الأحبار قال: قال لقمان الحكيم فيما يعظ به ابنه: يا بني، أقم الصلاة، فإن مثلها في دين الله كمثل عمود فسطاط، فإن العمود استقام، نفعت الأوتاد والأطناب والظلال، فإذا مال العمود أو تغير، لم ينفع وتد، ولا طنب، ولا ظلال؛ يا بني، وإنما مثل الأدب الحسن، كمثل طاق في جدار، بين كل طبقتين خشب مغروس، فكلما تحات طبقة، أمسكه خشبه، بإذن الله؛ إن الله إذا سجد له شيء، لم يقلع من نظر الله، فإذا قال: يا رب يا رب، سمع نداءه وأجابه؛ وكن عبدًا لمن صاحبك، يكن لك عبدًا، ولا تصاعر خدك للناس فيبغضوك، والله أشد منهم مقتًا؛ وتصدق يا بني من فضل ما أعطاك ربك: يزدك من فضله، ويطفئ عنك غضبه؛ وارحم الجار، الفقير والمسكين، والمملوك والأسير، والخائف واليتيم، فأدنه، وامسح رأسه؛ فإن الله يرحمك إذا رحمت عباده.

* عن محمد بن عصام جبر قال: استأذن أبي سفيان الثوري وهو يقيم بمكة، مجاور مكة أن يقدم منزله مع الحاج، ثم يعود إلى الموسم؛ فلما خرج الحجاج، خرج أبي على طريق الكوفة قاصدا إلى دار سفيان، فلقيه مخلفوه، وحملوه رسائل، وكان ابنه محمد قد تحرك، وبلغ نحو عشر سنين؛ فلما ودع جبر، قال الصبي لجبر: اقرأ مني السلام على أبي، وقل له: أقدم، فأني مشتاق إليه؛ فلما وافى جبر مكة، قضى الطواف، وصار إلى سفيان وهو يحدث الناس مجتمعين عليه؛ فلما نظر إلى جبر، أنس إليه، وكان يسأله، حتى أدى إليه ما قال مخلفوه، وما قال ابنه؛ فقام سفيان من المجلس، وطاف بالبيت، وصلى خلف المقام، وودع البيت، وخرج نحو الأبطح، والناس في طلبه؛ فقال لجبر: يا عصام، رد عني هؤلاء القوم، فإني لا أحدثهم اليوم، فما زال، حتى صرف أصحاب الحديث عنه، حتى خلا بوجهه؛ فقال له جبر: أين تمضي؟ قال: نحو المنزل إن شاء الله، فقال له: بعد غد التروية، وبعده يوم النحر، وتمضي وتدعه، وهؤلاء الناس يأخذون عنك العلم، فيبقى لك أجر من عمل بشيء منه؛ فقال: أنا أعلم بهذا منك، ولكن أتيتني بفرض واجب أن أقضيه، وتأمرني أن أقيم على نافلة، وأضيع الفرض؛ وإني مشتاق إلى ابني، فإذا قمت في الموقف والمشاهد، فادع لنا، وإذا خرجت، فاجعلنا طريقك إن شاء الله؛ فخرج بلا زاد ولا صاحب؛ قال جبر: فسألت عنه نفرًا، فأخبروني عنه: أنه وافاها ذلك اليوم، وصلى العيد بالكوفة، ولقي ابنه بالمصلى، ودخل إلى منزله؛ رحمه الله.

* عن الهيثم: حدثني بعض أصحاب جعفر بن محمد الصادق، قال: دخلت على جعفر، وموسى بين يديه، وهو يوصيه بهذه الوصية؛ فكان مما حفظت منها أن قال: يا بني، إقبل وصيتي، واحفظ مقالتي، فإنك إن حفظتها: تعيش سعيدًا، وتموت حميدًا؛ يا بني، من رضي بما قسم له، استغنى، ومن مد عينه إلى ما في يد غيره، مات فقيرًا، ومن لم يرض بما قسمه الله له، إتهم الله في قضائه؛ ومن استصغر زلة نفسه، استعظم زلة غيره؛ ومن استصغر زلة غيره، استعظم زلة نفسه؛ يا بني، من كشف حجاب غيره، انكشفت عورات بيته؛ ومن سل سيف البغي، قتل به؛ ومن احتفر لأخيه بئرًا، سقط فيها؛ ومن داخل السفهاء حقر، ومن خالط العلماء وقر، ومن دخل مداخل السوء اتهم؛ يا بني، إياك أن تزري بالرجال، فيزري بك، وإياك والدخول فيما لا يعنيك، فتذل لذلك؛ يا بني، قل الحق، لك أو عليك، تستشان من بين أقرانك؛ يا بني، كن لكتاب الله تاليًا، وللإسلام فاشيًا، وبالمعروف آمرًا، وعن المنكر ناهيًا، ولمن قطعك واصلًا، ولمن سكت عنك مبتدئًا، ولمن سألك معطيًا؛ وإياك والنميمة، فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال؛ وإياك والتعرض لعيوب الناس، فمنزلة التعرض لعيوب الناس، بمنزلة الهدف؛ يا بني، إذا طلبت الجود فعليك بمعادنه، فإن للجود معادن، وللمعادن أصولًا، وللأصول فروعًا، وللفروع ثمرًا، ولا يطيب ثمر إلا بأصول، ولا أصل ثابت إلا بمعدن طيب؛ يا بني، إن زرت، فزر الأخيار، ولا تزر الفجار، فإنهم صخرة لا ينفجر ماؤها، وشجرة لا يخضر ورقها، وأرض لا يظهر عشبها. قال علي بن موسى: فما ترك هذه الوصية، إلى أن توفي.

* عن أبي حفص قال: قال عبادة بن الصامت لابنه: يا بني، لن تجد حقيقة الإيمان، حتى تعلم: أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك؛ سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال: أكتب؛ قال: يا رب، ماذا أكتب؟ قال: أكتب مقادير كل شئ حتى تقوم الساعة» . يا بني إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من مات على غير هذا، فليس مني» . غريب من حديث إبراهيم، تفرد به يحيى عن الوليد.

* عن الحسين بن علي قال: جاءت أم بشر المريسي إلى الشافعي، فقالت له: يا أبا عبد الله، إن ابني هذا يحبك، وإن ذكرت عنده أجلك، فلو نهيته عن هذا الرأي الذي هو فيه، فقد عاداه الناس عليه؛ فقال الشافعي: أفعل، فشهدت الشافعي وقد دخل عليه بشر، فقال الشافعي: أخبرني عن ما تدعو إليه، أفيه كتاب ناطق، وفرض مفترض، وسنة قائمة، ووجب على الناس البحث فيه والسؤال؟ فقال بشر: ليس فيه كتاب ناطق، ولا فرض مفترض، ولا سنة قائمة، ولا وجب على السلف البحث فيه، إلا أنه لا يسعنا خلافه؛ فقال له الشافعي: قد أقررت على نفسك الخطأ، فأين أنت عن الكلام في الأخبار، والفقه، وتوافيك الناس عليه، وتترك هذا؟ فقال: لنا فيه تهمة؛ فلما خرج بشر، قال الشافعي: لا يفلح.

* عن لقمان، قال لابنه: يا بني، ليس غناء كصحة، ولا نعيم كطيب نفس. وقال مالك: قال لقمان لابنه: يا بني، إن الناس قد تطاول عليهم ما يوعدون، وهم إلى الآخرة سراع يذهبون، وإنك قد استدبرت الدنيا منذ كنت، واستقبلت الآخرة؛ وإن دارا تسير إليها، أقرب إليك من دار تخرج منها.

* أدخل الشافعي يومًا إلى بعض حجر هارون الرشيد، ليستأذن على أمير المؤمنين، ومعه سراج الخادم؛ فأقعده عند أبي عبد الصمد ـ مؤدب أولاد الرشيد ـ، فقال سراج للشافعي: يا أبا عبد الله، هؤلاء أولاد أمير المؤمنين، وهو مؤدبهم، فلو أوصيته بهم؛ فأقبل الشافعي على أبي عبد الصمد، فقال له: ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح أولاد أمير المؤمنين إصلاح نفسك، فإن أعينهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما تستحسنه، والقبيح عندهم ما تركته؛ علمهم كتاب الله، ولا تكرههم عليه فيملوه، ولا تتركهم منه فيهجروه، ثم روهم من الشعر أعفه، ومن الحديث أشرفه؛ ولا تخرجنهم من علم إلى غيره، حتى يحكموه؛ فإن ازدحام الكلام، مضلة للفهم.

* عن ثابت البناني قال: إن صلة بن أشيم كان في مغزى له، ومعه إبن له، فقال: أي بني، تقدم فقاتل حتى أحتسبك، فحمل فقاتل حتى قتل؛ فاجتمعت النساء عند امرأته: معاذة العدوية، فقالت: مرحبا إن كنتن جئتن لتهنئنني، فمرحبا بكن؛ وإن كنتن جئتن لغير ذلك، فارجعن.

* عن مكحول عن كعب: أن لقمان قال لابنه: يا بني، كن أخرس عاقلًا، ولا تكن نطوقًا جاهلًا؛ ولأن يسيل لعابك على صدرك وأنت كاف اللسان عما لا يعنيك، أجمل بك وأحسن، من أن تجلس إلى قوم فتنطق بما لا يعنيك؛ ولكل عمل دليل، ودليل العقل التفكر، ودليل التفكر الصمت؛ ولكل شيء مطية، ومطية العقل التواضع، وكفى بك جهلًا أن تنهى عما تركب، وكفى بك عقلا أن يسلم الناس من شرك.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت