* عن الشعبي قال: مرض الأسد فعاده السباع، ما خلا الثعلب؛ فقال الذئب: أيها الملك، مرضت، فعادك السباع إلا الثعلب، قال: فإذا حضر، فاعلمني؛ قال: فبلغ ذلك الثعلب، فجاء، فقال له الأسد: يا أبا الحصين، عادني السباع كلهم فلم تعدني؟ قال: بلغني مرض الملك، فكنت في طلب الدواء؛ قال: فأي شيء أصبت؟ قال: قالوا: خرزة في ساق الذئب، ينبغي أن تخرج؛ قال: فضرب الأسد بمخالبه إلى ساق الذئب، فانسل الثعلب، وقعد على الطريق، فمر به الذئب، والدماء تسيل عليه؛ قال: فناداه الثعلب: يا صاحب الخف الأحمر، إذا قعدت بعد هذا عند السلطان، فانظر ماذا يخرج من رأسك، وأما هذه، فقد خرجت من رجلك.
* عن مسعر قال: دعاني أبو جعفر ليوليني، فقلت: أصلح الله الأمير، إن أهلي ليريدونني على أن أشترى الشيء بدرهمين، فأقول: أعطوني، أشتري لكم؛ فيقولون: لا والله، ما نرضى اشتراءك؛ فأهلي: لا يرضون أشتري الشيء بدرهمين، وأمير المؤمنين يوليني؛ أصلحك الله، إن لنا قرابة وحقًا، وقد قال الشاعر:
تشاركنا قريش في تقاها…وفي أحسابها شرك العنان
فما ولدت نساء بني هلال…وما ولدت نساء بني أبان
قال: أيم الله، ما لنا في العرب قرابة أحب إلينا منها، فأعفاه.
* عن وهب بن إسماعيل قال: كنت بمكة مع سفيان الثوري والأوزاعي، فمرض سفيان، فأتاه محمد بن إبراهيم يعوده، فلما قيل له: هذا محمد بن إبراهيم، قال: فدخل الكنيف، فما زال فيه حتى استحييت من طول ما قعد، ثم خرج فجاء، فقال: سلام عليكم، كيف أنتم؟ وطرح نفسه، ومحمد جالس، فحول وجهه إلى الحائط، فما كلمه حتى خرج من عنده، فلما كان من الغد، بعث إليه يقرئه السلام، ويقول: كيف تجدك، لولا أني أعلم أنه ليس بمكة أحد أبغض إليك مني لأتيتك.
* عن عبد الرحمن بن مهدي قال: جر أمير المؤمنين سفيان إلى القضاء، فتحامق عليه ليخلص نفسه منه، فلما أن علم أنه يتحامق عليه أرسله، وهرب من السلطان، وجعل كينونته في بيت عبد الرحمن ويحيى ابن سعيد بضعة عشر سنة، فلما كان عند موته، قالوا: أين نذهب بك؟ قال: اغسلوني وكفنوني، وضعوني على السرير، واحملوا فيما بينكم السرير، ففعلوا، فوضعوه بباب مسجد الجامع، فجاء السلطان، فكشف عن وجهه، فغاصه في الكافور، وكتب إلى السلطان الأعظم، إني وجدت سفيان على سرير مفروغا من غسله وكفنه، فغصصته في الكافور، أنتظر ما تأمر فيه، فوقع على الماء ألف سمارى إلى جنازته، فدفن بعد أيام.
* عن عبد الله بن عبد العزيز العمري يقول: قال لي موسى بن عيسى ينهى إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد: إنك تشتمه وتدعو عليه، فبأي شئ استبحت ذلك يا عمري؟ قال: فقلت له: أما شتمه، فهو والله أكرم علي من نفسي لقرابته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأما في الدعاء عليه، فو الله ما قلت: اللهم إنه قد أصبح عبئا ثقيلًا على أكتافنا لا تطيقه أبداننا، وقذى في جفوننا لا تطرف عليه جفوننا، وشجى في أفواهنا تسفه حلوقنا باكفنا موته وفرق بيننا وبينه، ولكن قلت: اللهم إن كان يسمى بالرشيد لرشد فأرشده، أو لغير ذلك فراجع به، اللهم إن له في الإسلام بالقياس على كل مؤمن حقًا، وله بنبيك قرابة ورحم، فقربه من كل خير، وباعده من كل سوء، وأسعدنا به، وأصلحه لنفسه ولنا، فقال موسى بن عيسى: يرحمك الله أبا عبد الرحمن، كذلك يا عمري الظن بك.
* عن العلاء بن روبة قال: كانت لي حاجة إلى رجاء بن حيوة، فسألت عنه، فقالوا: هو عند سليمان بن عبد الملك، قال: فلقيته، فقال: ولى أمير المؤمنين اليوم ابن موهب القضاء، ولو خيرت بين أن ألي وبين أن أحمل إلى حفرتي، لاخترت أن أحمل إلى حفرتي، قلت: إن الناس يقولون: إنك أنت الذي أشرت به، قال: صدقوا، إني نظرت للعامة ولم أنظر له.
* عن عتبة بن تميم وغيره: أن عمر بن عبد العزيز كان يقول: وأيم الله، لو أني أعلم أنه يسوغ لي فيما بيني وبين الله: أن أخليكم وأمركم هذا، وألحق بأهلي، لفعلت، ولكني أخاف أن لا يسوغ ذلك لي فيما بيني وبين الله.
* عن طارق بن عبد الرحمن قال: وقع الطاعون بالشام، فاستعر فيها، فقال الناس: ما هذا إلا الطوفان، إلا أنه ليس بماء، فبلغ معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، فقام خطيبا، فقال: إنه قد بلغني ما تقولون، وإنما هذه رحمة ربكم عز وجل، ودعوة نبيكم - صلى الله عليه وسلم -، وكفت الصالحين قبلكم، ولكن خافوا ما هو أشد من ذلك: أن يغدوا الرجل منكم من منزله، لا يدري أمؤمن هو أم منافق، وخافوا إمارة الصبيان.
* عن نافع قال: لما قدم أبو موسى وعمرو بن العاص أيام حكما، قال أبو موسى: لا أرى لهذا الأمر غير عبد الله بن عمر، فقال عمرو لابن عمر: إنا نريد أن نبايعك، فهل لك أن تعطى مالًا عظيمًا على أن تدع هذا الأمر لمن هو أحرص عليه منك؟ فغضب ابن عمر فقام، فأخذ ابن الزبير بطرف ثوبه، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنما قال: تعطى مالًا على أن أبايعك، فقال ابن عمر: ويحك يا عمرو، قال عمرو: إنما قلت: أجربك، قال: فقال ابن عمر: لا والله، لا أعطى عليها شيئًا ولا أعطى، ولا أقبلها إلا عن رضى من المسلمين.
* قال أبو حازم: إن خير الأمراء من أحب العلماء، وإن شر العلماء من أحب الأمراء، وإنه كان فيما مضى: إذا بعث الأمراء إلى العلماء لم يأتوهم، وإذا أعطوهم لم يقبلوا منهم، وإذا سألوهم لم يرخصوا لهم، وكان الأمراء يأتون العلماء في بيوتهم فيسألونهم، فكان في ذلك صلاح للأمراء وصلاح للعلماء، فلما رأى ذلك ناس من الناس، قالوا: مالنا لا نطلب العلم حتى نكون مثل هؤلاء، فطلبوا العلم، فأتوا الأمراء، فحدثوهم فرخصوا لهم، وأعطوهم فقبلوا منهم، فجرئت الأمراء على العلماء، وجرئت العلماء على الأمراء.
* عن أبي سلام بن مسكين قال: سمعت الحسن يقول: لما كان من أمر الناس ما كان من أمر الفتنة، أتوا عبد الله بن عمر، فقالوا: أنت سيد الناس وابن سيدهم، والناس بك راضون، أخرج نبايعك، فقال: لا والله، لا يهراق في محجمة من دم ولا في سببي ما كان في الروح، قال: ثم أتي فخوف، فقيل له: لتخرجن أو لتقتلن على فراشك، فقال مثل قوله الأول: قال الحسن: فو الله ما استقلوا منه شيئًا حتى لحق بالله تعالى.
* عن أبي نضرة: أن عمر - رضي الله عنه - بعث هرم بن حيان على الخيل، فغضب على رجل، فأمر به، فوجثت عنقه، ثم أقبل على أصحابه، فقال: لا جزاكم الله خيرًا، ما نصحتموني حين قلت، ولا كففتموني عن غضبي، والله لا ألي لكم عملًا، ثم كتب إلى عمر: يا أمير المؤمنين، لا طاقة لي بالرعية، فابعث إلى عملك.
* عن رجاء بن حيوة قال: إني لواقف مع سليمان ابن عبد الملك، وكانت لي منه منزلة، إذ جاء رجل ذكر رجاء بن حيوة من حسن هيئته، فقال: يا رجاء، إنك قد ابتليت بهذا الرجل، وفي قربه الوقع، يا رجاء، عليك بالمعروف وعون الضعيف، واعلم يا رجاء: أنه من كانت له منزلة من السلطان، فرفع حاجة إنسان ضعيف وهو لا يستطيع رفعها، لقي الله يوم يلقاه، وقد ثبت قدميه للحساب، واعلم يا رجاء: أنه من كان في حاجة أخيه المسلم، كان الله في حاجته، واعلم يا رجاء: أن من أحب الأعمال إلى الله، فرحا أدخلته على مسلم؛ ثم فقده، فكان يرى أنه الخضر عليه السلام.
* عن سعيد بن أبي هلال: أن كعبًا مر بعمر وهو يضرب رجلًا بالدرة، فقال كعب: على رسلك يا عمر، فو الذي نفسي بيده، إنه لمكتوب في التوراة: ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء، ويل لحاكم الأرض من حاكم السماء، فقال عمر: إلا من حاسب نفسه.
* عن الأوزاعي قال: أراد عمر بن عبد العزيز أن يستعمل رجلًا على عمل، فأبى، فقال له عمر: عزمت عليك لتفعلن، فقال الرجل: وأنا أعزم على نفسي أن لا أفعل، فقال عمر: أتعصيني؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى يقول: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ} [الأحزاب: 72] الآية، أفعصية كان ذلك منهن، فأعفاه عمر.
* عن المطعم بن المقدام الصنعاني قال: كتب الحجاج بن يوسف إلى عبد الله بن عمر: بلغني أنك طلبت الخلافة، وإن الخلافة لا تصلح لعيي، ولا بخيل، ولا غيور، فكتب إليه ابن عمر: أما ما ذكرت من الخلافة أني طلبتها، فما طلبتها، وما هي من بالي، وأما ما ذكرت من العي والبخل والغيرة، فإن من جمع كتاب الله فليس بعيي، ومن أدى زكاة ماله فليس ببخيل، وأما ما ذكرت من الغيرة، فإن أحق ما غرت فيه ولدي، أن يشركني فيه غيري.
* قال يونس بن عبيد: ثلاثة احفظوهن عني: لا يدخل أحدكم على سلطان يقرأ عليه القرآن، ولا يخلون أحدكم مع امرأة شابة يقرأ عليها القرآن ولا يمكن أحدكم سمعه من أصحاب الأهواء.
* مر المهلب بن أبي صفرة على مالك بن دينار وهو يتبختر في مشيته، فقال له مالك: أما علمت أن هذه المشية تكره إلا بين الصفين، فقال له المهلب: أما تعرفني، فقال له: أعرفك أحسن المعرفة، قال: وما تعرف مني، قال: أما أولك نطفة مذرة، وأما آخرك فجيفة قذرة، وأنت بينهما تحمل العذرة، قال: فقال المهلب: الآن عرفتني حق المعرفة.
* كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهما: أما بعد: فإن أسعد الرعاة من سعدت به رعيته، وإن أشقى الرعاة ـ عند الله عز وجل ـ من شقيت به رعيته، وإياك أن ترتع فيرتع عمالك، فيكون مثلك ـ عند الله عز وجل ـ مثل البهيمة، نظرت إلى خضرة من الأرض فرعت فيها، تبتغي بذلك السمن، وإنما حتفها في سمنها، والسلام عليك.
* عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - المقداد بن الأسود على سرية، فلما قدم، قال له: «أبا معبد كيف وجدت الإمارة؟» قال: كنت أحمل وأوضع، حتى رأيت بأن لي على القوم فضلًا، قال: «هو ذاك، فخذ أو دع» . قال: والذي بعثك بالحق لا أتأمر على اثنين أبدًا.
* عن حيان بن نافع البصري قال: بعثني عروة بن محمد السعدي إلى سليمان بن عبد الملك ـ وهو بدابق ـ بهدايا، قال: فوافيناه قد مات، واستخلف عمر بن عبد العزيز، فدخلنا عليه، وقد هيأنا تلك الهدايا كما كانت تهيأ لسليمان، قال: ومعنا عنبرة فيها نحو من خمسمائة رطل أو ستمائة رطل ومسك كثير، فأخذوا يعرضون على عمر تلك الهدية، وفاح ريح المسك، فجعل عمر كمه على أنفه، ثم قال: يا غلام، ارفع هذا، فإنه إنما يستمتع من هذا بريحه، ثم قال: رحمك الله أبا أيوب، لو كنت حيا لكان نصيبنا فيه أوفر، قال فرفع.
* عن إبراهيم النخعي: أنه أرسل إليه زمان المختار بن أبي عبيد، فطلى وجهه بطلاء، وشرب دواء، ولم يأتهم فتركوه.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)