* عن جعفر بن محمد قال: الصلاة: قربان كل تقي، والحج: جهاد كل ضعيف، وزكاة البدن: الصيام، والداعي بلا عمل: كالرامي بلا وتر، واستنزلوا الرزق بالصدقة، وحصنوا أموالكم بالزكاة، وما عال من اقتصد، والتدبير نصف العيش، والتودد نصف العقل، وقلة العيال أحد اليسارين، ومن أحزن والديه فقد عقهما، ومن ضرب يده على فخده عند مصيبته: فقد حبط أجره، والصنيعة لا تكونن صنيعة: إلا عند ذي حسب ودين؛ والله تعالى منزل الصبر: على قدر المصيبة، ومنزل الرزق: على قدر المؤونة؛ ومن قدر معيشته: رزقه الله تعالى، ومن بذر معيشته: حرمه الله تعالى.
(3/ 194ـ195)
* قال جعفر بن محمد: لا زاد أفضل من التقوى، ولا شيء أحسن من الصمت، ولا عدو أضر من الجهل، ولا داء أدوى من الكذب.
* عن زيد ابن زيد بن أسلم: أن موسى عليه السلام سأل ربه، فقال: يا رب، أخبرني بأهلك الذين هم أهلك، الذين تؤويهم في ظل عرشك، يوم لا ظل إلا ظلك؛ قال: هم: الطاهرة قلوبهم، الندية أيديهم، يتحابون بجلالي؛ الذين إذا ذكرت: ذكروا بي، وإذا ذكروا: ذكرت بهم؛ الذين ينيبون إلى ذكري: كما تنيب النسور إلى وكرها؛ الذين يغضبون لمحارم الله إذا استحلت: كما تغضب النمرة إذا حرب؛ والذين يكلفون بحبي: كما يكلف الصبي بحب الناس.
* عن أبي حازم - سلمة بن دينار - قال: لا يحسن عبد فيما بينه وبين الله تعالى: إلا أحسن الله فيما بينه وبين العباد، ولا يعور فيما بينه وبين الله تعالى: إلا عور الله فيما بينه وبين العباد، ولمصانعة وجه واحد أيسر: من مصانعة الوجوه كلها؛ إنك إذا صانعت الله: مالت الوجوه كلها إليك، وإذا أفسدت ما بينك وبينه: شنئتك الوجوه كلها.
* قال أبو حازم -- سلمة بن دينار: إن بضاعة الآخرة كاسدة، فاستكثروا منها في أوان كسادها، فإنه لو قد جاء يوم نفاقها: لم تصل منها، لا إلى قليل، ولا إلى كثير.
* عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كان من كلامه: لا تقنعن لنفسك باليسير من الأمر في طاعة الله عز وجل، كعمل المهين الدنئ؛ ولكن: اجهد واجتهد، فعل الحريص الحفي؛ وتواضع لله عز وجل دون الضعف، فعل الغريب السبي.
* عن وهب بن منبه قال: ألم يفكر ابن آدم، ثم يتفهم ويعتبر، ثم يبصر، ثم يعقل ويتفقه حتى يعلم؟ فيتبين له: أن لله حلمًا: به يخلق الأحلام، وعلمًا: به يعلم العلماء، وحكمة: بها يتقي الخلق، ويدبر بها أمور الدنيا والآخرة؛ فإن ابن آدم، لن يبلغ بعلمه المقدر على الله: الذي لا مقدار له، ولن يبلغ بحلمه المخلوق حلم الله: الذي به خلق الخلق كله، ولن يبلغ بحكمته حكمة الله: التي بها يتقى الخلق، ويقدر المقادير؛ وكيف يشبه ابن آدم رب ابن آدم؟ وكيف يكون المخلوق كمن خلقه؟.
(4/ 23ـ24)
* عن وهب بن منبه قال في موعظة له: يا ابن آدم: إنه لا أقوى من خالق، ولا أضعف من مخلوق، ولا أقدر مم طلبته في يده، ولا أضعف ممن هو في يد طالبه.
* عن وهب بن منبه قال: لا يشكنّ ابن آدم: أن الله عز وجل يوقع الأرزاق متفاضلة ومختلفة، فإن تقلل ابن آدم شيئًا من رزقه: فليزده رغبة إلى الله عز وجل، ولا يقولن: لو اطلع الله هذا، وشعر به غيره، فكيف لا يطلع الله الشيء الذي هو خلقه وقدره؟
أولا يعتبر ابن آدم: في غير ذلك مما يتفاضل فيه الناس، فإن الله فضل بينهم في الأجسام، والألوان، والعقول، والأحلام؛ فلا يكبر على ابن آدم: أن يفضل الله عليه في الرزق والمعيشة، ولا يكبر عليه: أنه قد فضل عليه في علمه وعقله.
أولا يعلم ابن آدم: أن الذي رزقه في ثلاثة أوان من عمره، لم يكن له في واحد منهن كسب ولا حيلة، أنه: سوف يرزقه في الزمن الرابع:
أول زمن من أزمانه، حين كان في رحم أمه، يخلق فيه، ويرزق من غير مال كسبه، في قرار مكين، لا يؤذيه فيه حر ولا قر، ولا شيء يهمه.
ثم أراد الله: أن يحوله من تلك المنزلة إلى غيرها؛ ويحدث له في الزمن الثاني: رزقًا من أمه، يكفيه ويغنيه، من غير حول ولا قوة.
ثم أراد الله أن يعصمه من ذلك اللبن، ويحوله في الزمن الثالث: في رزق يحدثه له من كسب أبويه، يجعل له الرحمة في قلوبهما، حتى يؤثراه على أنفسهما بكسبهما، ويستعنيا روحه بما يعنيهما، لا يعنيهما في شيء من ذلك بكسب، ولا حيلة يحتالها حتى يعقل.
ويحدث نفسه أن له حيلة وكسبًا: فإنه لن يغنيه في الزمن الرابع، إلا من أغناه ورزقه في الأزمان الثلاث التي قبلها.
فلا مقال له، ولا معذرة: إلا برحمة الله، هو الذي خلقه؛ فإن ابن آدم كثير الشك، يقصر به حلمه وعقله عن علم الله، ولا يتفكر في أمره، ولو تفكر حتى يفهم ويفهم، حتى يعلم علم: أن علامة الله التي بها يعرف خلقه الذي خلق، ورزقه لما خلق.
* عن عطاء الخراساني قال: لقيت وهب بن منبه في الطريق؛ فقلت: حدثني حديثا أحفظه عنك في مقامي، وأوجز؛ قال: أوحى الله إلى داود: يا داود، أما وعزتي وعظمتي: لا يشعر بي عبد من عبادي دون خلقي، أعلم ذلك من نيته، فتكيده السماوات السبع ومن فيهن، والأرضون السبع ومن فيهن: إلا جعلت له منهن فرجًا ومخرجًا؛ أما وعزتي وعظمتي: لا يعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني، أعلم ذلك من نيته: إلا قطعت أسباب السماوات من يده، وأرضخت الأرض من تحته؛ ولا أبالي في أي واد هلك.
(4/ 25ـ26)
* عن وهب بن منبه قال في موعظة له: هذا يوم عظيم: يقال فيه بعسره، طويل: يعظ اليوم السعيد، ويستكثر من منافعه اللبيب.
يا ابن آدم، إنما جمعت من منافع هذا اليوم: لدفع ضرر الجهالة عنك، وإنما أوقدت فيه مصابيح الهدى: ليته يجزيك؛ فلم أر كاليوم: ضل مع نوره متحيرًا واعيًا مراوآت سقيم.
يا ابن آدم، إنه: لا أقوى من خالق، ولا أضعف من مخلوق، ولا أقدر ممن طلبته في يده، ولا أضعف ممن هو في يد طالبه.
يا ابن آدم، إنه: قد ذهب منك ما لا يرجع إليك، وأقام معك ما سيذهب فما الجزع مما لا بد منه؛ وما الطمع فيما لا يرتجى، وما الحيلة في بقاء ما سيذهب.
يا ابن آدم، أقصر عن طلب ما لا تدرك، وعن تناول ما لا تناله، وعن ابتغاء ما لا يوجد، وأقطع الرجاء عنك كما قعدت بك الأشياء؛ واعلم: أنه رب مطلوب هو شر لطالبه.
يا ابن آدم، إنما الصبر عند المصيبة، وأعظم من المصيبة: سوء الخلق منها.
يا ابن آدم، وأي أيام الدهر يرتجى في غنم؟ أو، أي يوم تستأخر عاقبته عن أوان مجيئه؟ فانظر إلى الدهر، تجده ثلاثة أيام: يوم مضى لا ترجوه، ويوم حضر لا تزيده، ويوم يجئ لا تأمنه؛ فأمس: شاهد مقبول، وأمين مود، وحكيم موارب، قد فجعك بنفسه، وخلف فيك حكمته؛ واليوم: صديق مودع، كان طويل الغيبة، وهو سريع الظعن، أتاك ولم تأته؛ وقد مضى قبله شاهد عدل، فإن كان فيه لك فاشفعه بمثله: أوثق باجتماع شهادتهما، لك أو عليك.
يا ابن آدم، إنه: لا أعظم رزية في عقله: ممن ضيع اليقين، وأخطأه العمل.
أيها الناس، إنما البقاء بعد الفناء، وقد خلقنا ولم نكن، وسنبلى، ثم نعود؛ إنما العوارى اليوم، والهبات غدًا؛ ألا، وإنه قد تقارب منا سلب فاحش، أو عطاء جزيل؛ فاستصلحوا ما تقدمون عليه بما تظعنون عنه.
أيها الناس، ما أنتم في هذه الدنيا عرض: تنتضل فيه المنايا، وإنما أنتم فيه من دنياكم: نهب للمصائب، لا تتناولون فيها نعمة: إلا بفراق أخرى؛ ولا يستقبل منكم معمر يومًا من عمره: إلا بهدم آخر من أجله، ولا يجدد له زيادة في أكله: إلا بنفاذ ما قبله من رزقه، ولا يحيا له أثر: إلا مات له أثر؛ فنسأل الله أن يبارك لنا ولكم فيما مضى من هذه العظة.
يا ابن آدم، إنما أهل الدنيا سفر، لا يحلون عقدة الرحال إلا في غيرها، وإنما يتباقون بالعوارى؛ فما أحسن الشكر للمنعم، والتسليم للمعاد.
يا ابن آدم، إنما الشيء من مثله، وقد مضت قبلنا أصول نحن من فروعها؛ فما بقاء الفرع بعد الأصل؟.
(4/ 30ـ31)
* عن وهب قال: مر عابد براهب، فاشرف عليه؛ فقال: منذ كم أنت في هذه الصومعة؟ قال: منذ ستين سنة؛ قال: فكيف صبرت فيها ستين سنة؟ قال: مر، فإن الدنيا تمر؛ ثم قال: يا راهب، كيف ذكرك للموت؟ قال: ما أحسب عبدًا يعرف الله تعالى: تأتي عليه ساعة لا يذكر الله فيها، وما أرفع قدمًا: إلا أظن أني لا أضعها حتى أموت؛ قال: فجعل العابد يبكي؛ فقال له الراهب: هذا بكاءك في العلانية، فكيف أنت إذا خلوت؟ فقال العابد: إني لأبكي عند إفطاري، فاشرب شرابي بدموعي، وابل طعامي بدموعي، ويصرعني النوم، فأبل مضجعي بدموعي. قال: أما إنك إن تضحك وأنت معترف لله عز وجل بذنبك، خير لك من أن تبكي: وأنت تمر على الله عز وجل؛ قال: فأوصني بوصية؛ قال: كن في الدنيا بمنزلة النحلة، إن أكلت: أكلت طيبًا، وإن وضعت: وضعت طيبًا، وإن سقطت على شيء: لم تضره، ولم تكسره؛ ولا تكن في الدنيا بمنزلة الحمار، إنما همته: أن يشبع، ثم يرمي بنفسه في التراب؛ وانصح لله عز وجل نصح الكلب لأهله: فإنهم يجيعونه ويطردونه، وهو يحرسهم؛ قال أبو عبد الرحمن: قال أشرس: وكان طاووس، إذا ذكر هذا الحديث بكى؛ ثم قال: عز علينا أن تكون الكلاب أنصح لأهلها منا لمولانا عز وجل.
(4/ 43ـ44)
* عن وهب بن منبه قال: من عرف بالكذب: لم يجز صدقه، ومن عرف بالصدق: أئتمن على حديثه، ومن أكثر الغيبة والبغضاء: لم يوثق منه بالنصيحة، ومن عرف بالفجور والخديعة: لم يوثق إليه في المحبة، ومن انتحل فوق قدره: جحد قدره، ولا يحسن فيه ما يقبح في غيره.
* عن ميمون بن مهران قال: يا ابن آدم، خفف عن ظهرك، فإن ظهرك لا يطيق كل الذي تحمل عليه: من ظلم هذا، وأكل مال هذا، وشتم هذا؛ وكل هذا تحمله على ظهرك؛ فخفف عن ظهرك. وقال ميمون: إن أعمالكم قليلة، فاخلصوا هذا القليل.
* عن أبي إدريس عن حصين قال: كان من كلام إبراهيم التيمي، أنه يقول:
أي حسرة أكبر على امرئ، من أن يرى عبدًا كان له، خوله الله إياه في الدنيا: هو أفضل منزلة منه عند الله يوم القيامة.
وأي حسرة على امرئ أكبر: من أن يصيب مالًا، فيرثه غيره، فيعمل فيه بطاعة الله تعالى، فيصير وزره عليه، وأجره لغيره.
وأي حسرة على امرئ أكبر، من أن يرى من كان مكفوف البصر: ففتح له عن بصره يوم القيامة، وعمي هو أن من كان قبلكم يفرون من الدنيا، وهي مقبلة عليهم، ولهم من القدم ما لهم؛ وأنتم تتبعونها وهي مدبرة عنكم، ولكم من الأحداث مالكم، فقيسوا أمركم وأمر القوم.
* عن عون بن عبد الله بن عتبة: أنه كان يقول اليوم المضمار، وغدًا السباق، والسبقة: الجنة، والغاية: النار؛ فبالعفو تنجون، وبالرحمة تدخلون، وبالأعمال تقتسمون المنازل.
* عن عمر بن ذر قال: إعملوا لأنفسكم رحمكم الله في هذا الليل وسواده، فإن المغبون: من غبن خير الليل والنهار، والمحروم: من حرم خيرهما؛ وإنما جعلا سبيلًا للمؤمنين إلى طاعة ربهم، ووبالًا على الآخرين: للغفلة عن أنفسهم؛ فأحيوا لله أنفسكم بذكره، فإنما تحيى القلوب بذكر الله؛ كم من قائم في هذا الليل: قد اغتبط بقيامه في حفرته، وكم من نائم في هذا الليل: قد ندم على طول نومه، عندما يرى من كرامة الله عز وجل للعابدين غدًا؛ فاغتنموا ممر الساعات والليالي والأيام، رحمكم الله.
* قال عمر بن ذر: علي تحملون قسوة قلوبكم، وجمود أعينكم؟ علي تحملون العي إن لم أسمعكم؟ اليوم مواعظ من كتاب الله، من جاء يلتمس الخير: فقد وجد الخير؛ هذا تقويض الدنيا؛ ثم قرأ: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير:1] . فكان ابن ذر يقول: هيهات العشار وأهل العشار، عطلها أهلها بعد الضن بها.
* عن عمر بن ذر قال: لما رأى العابدون الليل قد هجم عليهم، ونظروا إلى أهل السآمة والغفلة: قد سكنوا إلى فرشهم، ورجعوا إلى ملاذهم: من الضجعة والنوم قاموا إلى الله، فرحين مستبشرين بما قد وهب لهم: من حسن عبادة السهر، وطول التهجد؛ فاستقبلوا الليل بأبدانهم، وباشروا ظلمته بصفاح وجوههم: فانقضى عنهم الليل، وما انقضت لذتهم من التلاوة، ولا ملت أبدانهم من طول العبادة؛ فأصبح الفريقان وقد ولى عنهم الليل: بربح وغبن: أصبح هؤلاء قد ملوا النوم والراحة، وأصبح هؤلاء متطلعين إلى مجيء الليل للعبادة؛ شتان ما بين الفريقين.
فاعملوا لأنفسكم رحمك الله في هذا الليل وسواده، فإن المغبون: من غبن خير الليل والنهار، والمحروم: من حرم خيرهما؛ إنما جعلا سبيلًا للمؤمنين إلى طاعة ربهم، ووبالًا على الآخرين للغفلة عن أنفسهم.
فأحيوا لله أنفسكم بذكره، فإنما تحيى القلوب بذكر الله؛ كم من قائم في هذا الليل: قد اغتبط بقيامه في ظلمة حفرته، وكم من نائم في هذا الليل: قد ندم على طول نومته عند ما يرى من كرامة الله للعابدين غدًا؛ فاغتنموا ممر الساعات والليالي والأيام رحمكم الله.
* عن عمر بن ذر قال: ما أغفل الناس عما خلوتم به وغدوتم إليه؛ فاتقوا الله مما تكاتمون: ألا تبادرون كلمتنا، وقد قرب، وهذا مقعد العائذين بك؛ أما والله، لو أعلم أني أبر ما افتررت ضاحكًا، حتى أعلم مالي مما علي؛ ولكنا إذا قمنا عما ترون عندنا إلى ما تعلمون.
* قال أبو نعيم: وقرأ يومًا الحاقة حتى بلغ: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ} [الحاقة:19] . ثم قال: حمل ورب الكعبة ظنه على اليقين، ثم نادى، مسفر وجهه، ثلج قلبه، مطلقة يداه: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ} [الحاقة: 25] . فأخذ ابن ذر يقول: صدقت يا كذاب، صدقت يا كذاب؛ ينادي، مسود وجهه، كاسف باله، مغلولة يداه إلى عنقه، وقال: {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى. ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} [القيامة: 34ـ35] . علينا نكرر الوعيد، فلا وعزتك: ما نحتمل وعيد من هو دونك، ممن لا يضر ولا ينفع، ممن يشركنا في لذة نومنا، وطعامنا وشرابنا، حتى نعلم مالنا فيما وعدنا؛ اللهم، وهؤلاء الذين اغتنموا ظلمة الليل، وجاهدوك بما استخفوا به من غيرك؛ فإن كان في سابق العلم: ألا يحدثوا توبة، فأقد منهم بأسوأ أعمالهم.
(5/ 114ـ115)
* عن ابن ذر قال في كلامه: أما الموت فقد شهر لكم، فأنتم تنظرون إليه في كل يوم وليلة، من بين منقول: عزيز على أهله، كريم في عشيرته، مطاع في قومه: إلى حفرة يابسة، وأحجار من الجندل صم، ليس يقدر له الأهلون على وساد، إلا خالطه فيه الهوام، فوساده يومئذ عمله.
ومن بين مغموم غريب: قد كثر في الدنيا همه، وطال فيها سعيه، وتعب فيها بدنه؛ جاءه الموت من قبل أن ينال بغيته، فأخذه بغتة؛ ومن بين صبي مرضع، ومريض موجع، ورهن بالشر مولع، وكلهم بسهم الموت يقرع.
أما للعابدين من عبر في كلام الواعظين؟ ولربما قلت: سبحانه وجل جلاله، لقد أمهلكم، حتى كأنه أهملكم؛ ثم أرجع إلى حلمه وقدرته، ثم أقول: بل أخرنا إلى حين آجالنا سبحانه: إلى يوم تشخص فيه الأبصار، وتجف فيه القلوب، مهطعين مقنعي رؤوسهم، لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء.
يا رب، قد أنذرت وحذرت، فلك الحجة على خلقك؛ ثم قرأ:… وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ [إبراهيم: 44] . ثم يقول: أيها الظالم، أنت في أجلك الذي استأجلت: فاغتنمه قبل نفاذه، وبادره قبل فوته؛ وآخر الأجل: معاينة الأجل، عند نزول الموت؛ فعند ذلك: لا ينفع الأسف؛ إنما ابن آدم: غرض للمنايا منصوب، من رمته بسهامها: لم تخطئه، ومن أرادته: لم تصب غيره.
ألا وإن الخير الأكبر: خير الآخرة الدائم: فلا ينفد، والباقي: فلا يفنى، والممتد: فلا ينقطع؛ والعباد المكرمون: في جوار الله تعالى، مقيمون في كل ما اشتهت الأنفس، ولذت الأعين، متزاورون على النجائب، ويتلاقون: فيتذاكرون أيام الدنيا؛ هنيئًا للقوم هنيئًا: لقد وجد القوم بغيتهم، ونالوا طلبتهم، إذ كانت رغبتهم: إلى السيد الكريم المتفضل.
(5/ 115ـ116)
* عن أبي عبد الله الصنابحي قال: الدنيا تدعو إلى فتنة، والشيطان يدعو إلى خطيئة؛ ولقاء الله: خير من الإقامة معهما.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)